هذه الآية : أيَحْسَبُ الإنسَانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى . فتجري دموعه غريرةً من عينيه ، وكان يكررّها كلّما قرأها .
لقد كان أمير المؤمنين عليه السلام مطّلعاً على ما وراء هذا الستار ، فهو إمامٌ عالمٌ بالسرّ والخفيات ، مشهودٌ لديه عالم الغيب والشهادة .
يكتب ابن حجر الهيثمي المكّي :
فَلَمّا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ الذي قُتِلَ فِيهِ يَفْطُرُ عَلِيٌّ لَيْلَةً عِنْدَ الْحَسَنِ وَلَيْلَةً عِنْدَ الْحُسَيْنِ وَلَيْلَةً عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ وَلَا يَزِيدُ على ثَلَاثِ لُقَمٍ وَيَقُولُ : أحِبُّ أن ألْقَى اللهَ وَأنَا خَمِيصٌ . « 1 »
إخبار أمير المؤمنين عليه السلام عن شهادته .
فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ التي قُتِلَ في صَبِيحَتِهَا عَلِيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ أكْثَرَ الْخُرُوجَ وَالنَّظَرَ إلى السَّمَاءِ ، فَقَالَ : والله مَا كَذَبْتُ وَمَا كُذِبْتُ ، وَإنَّهَا هي اللَّيْلَةُ التي وُعِدْتُ . « 2 »
بلى ، هذه الليلة هي ليلة الوصال ، ليلة لقاء المحبوب وزيارته ، كانت حال الامام منقلبة كثيراً تلك الليلة ، وكان انقلاب حال الإمام وتغيّره نابعاً من سعة نفسه وعظمة قابليّته ورحابته ، فقد كانت سعته تشمل جميع الموجودات لأنّ الإمام قلب العالم ، فكلّ موجود يحصل على إفاضة الوجود من ذات الخالق المقدّسة بوسيلته وواسطته ، لذا فانّ رحلته هذه ستكون بمثابة هزّة لجميع الموجودات الأرضيّة والسماويّة ، وسيحصل الانقلاب على اثرها في سرّ كلّ موجود ، وهذا هو معنى انقلاب حال الإمام وقت رحيله .
كانت ملامح وسيماء أمير المؤمنين عليه السلام وطلعته المنيرة حاكية عن ظهور جميع الموجودات ، وكان قلبه المبارك ينبض بضربات قلب جميع الموجودات .
هامش
( 1 ) - الصواعق المحرقة ، ص 80 .
( 2 ) - الصواعق المحرقة ، ص 80 .