الملك الحق ، ويفنى عن الأسباب بشهود مسبب الأسباب . فإن كان مع مراعاة الحكمة فهو كامل ، وإن كان من غير مراعاة الحكمة ، فإن كان غائبا مصطلما فهو معذور ، وهو الذي بينه بقوله :
294 - فهذا عبد مواجه بالحقيقة .
أي : كوشف بنورها .
295 - ظاهر عليه سناها .
أي : نورها ، فلما دهته الأنوار سكر أنكر الحكمة . فهو باعتبار ما قبله كامل لاستغراقه في بحر الوحدة ، وهو معذور في نفيه الحكمة لغلبة وجده وظهور سكره ، وباعتبار ما عبد ناقص لقصور نفعه على نفسه ، وإن كان قد سلك الطريق وأتى على غايتها حتى وصل إلى التحقيق ، كما بين ذلك بقوله :
296 - سالك للطريقة .
أي : لولا سلوكه مع الطريق ما استنارت له معالم التحقيق ، وإنما فاته أنوار التشريع وأسرار الحكمة ، وأما الطريق فقد سلكها وأتى على غايتها ، كما ذكره :
297 - قد استولى على مداها .
يعني على غايتها فلا وصول للحقيقة إلا بعد سلوك الطريقة ، وتحقيق ظاهر الشريعة قال تعالى :
وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها
[ البقرة : 189 ] ، فلا باب لبيت الحقيقة إلا من جهة الشريعة والطريقة ، فإذا وصل إلى الحقيقة فمن الناس من يكون صدره ضيقا ، فلا يحتمل تلك الأنوار ، ولا يطيق مشاهدة تلك الأسرار فيغيب في شهود الوحدة ، وينكر الحكمة ، ومن الناس من يكون واسع الصدر قوي النور ، فإذا أشرقت عليه أنوار الحقيقة لم تغلبه عن القيام بالحكمة وصار برزخا بين حقيقة وشريعة ، هكذا يكون سيره بين فناء وبقاء ، حتى يتمكن فيهما ،