الفناء ، وإن كان قبل الفناء ، فهو شهود خلق بلا حق وهو محل أهل الحجاب [ و ] غلب عليه أيضا :
303 - غيبته على حضوره .
الغيبة : انقطاع القلب عن ملاحظة الخلق ، والحضور : مشاهدة حضرة المولى بعد الغيبة عن شهود الحس والسوى ، فهذه أحوال أهل الجذب من السالكين ، فإن كان لهم شيخ فلا بد أن يخرجهم إلى السلوك وهو مقام البقاء ، فإن البقاء يطلب الجذب حتى يدركه كما يدركه عمره الطالب له . فكان بعض أشياخنا يقول :
أرنا من يفرق لنا نحن ضامنون له الخروج إلى البر ، وهو البقاء الذي أشار إليه الشيخ بقوله :
304 - وأكمل منه عبد شرب فازداد صحوا ، وغاب فازداد حضورا ، فلا جمعه يحجبه عن فرقه ، ولا فرقه يحجبه عن جمعه ، ولا فناؤه يصدّه عن بقائه ، ولا بقاؤه يصده عن فنائه ، يعطي كلّ ذي قسط قسطه ، ويوفّي كلّ ذي حقّ حقّه .
قلت : هذا هو القسم الثالث ، وهو مقام خاصة الخاصة ، وهم أهل الرسوخ والتمكن ، فكلما شربوا من خمر الحقيقة زاد صحوهم وتجوهر عقلهم ، وكلما غابوا عن شهود الخلق بشهود الحق زاد حضورهم ، فتراهم مستغرقين في الفكرة والنظرة ومع ذلك يحسون بدبيب النملة حتى يظن من لم يبلغ مقامهم أنهم من أهل الغفلة ، لكثرة ما بهم من الفطنة وهم مستغرقون في الحضرة ، وقد كان عليه السلام يصلي بالناس ، فإذا سمع بكاء الصبي خفف شفقة على أمه ، فأهل هذا المقام الكامل لا يحجبهم جمعهم عن فرقهم فهم مجموعون في فرقهم مفروقون في جمعهم يشهدون الحق في حال شهوده من الخلق ، ولا يصدهم فناؤهم عن بقائهم ، فهم فانون عن أنفسهم باقون بربهم ، ولا بقاؤهم يصدهم عن فنائهم ، فظاهرهم