السؤال . والذي يظهر لنا في تركه اليوم أحسن من استعماله ، إذ زالت هيبته وصار حرفة من الحرف ، فصارت نفس كثير من الفقراء تبطش إليه ، وما ذلك إلا لما فيه من الحظ عندها ، واللّه تعالى أعلم . وأما ما يأخذه من السؤال فإن كان فقيرا إليه أخذه ، وإن كان غنيّا عنه تصدق به خفية بالليل مثلا . وكان شيخ شيخنا رضي اللّه تعالى عنه يقول : كان قصدنا من السؤال قوت الأرواح ، فلما خرج منه قوت الأشباح تبارك اللّه ، يعني فيأخذه من اضطر إليه ، وباللّه التوفيق . وهذه الحكمة التي ذكرها الشيخ هي من أعظم المهمات التي يحتاج إليها أهل التجريد ، وليس مقصوده الكلام على السؤال ، إنما مقصوده الدلالة على تربية اليقين ، وعدم التشوف إلى المخلوقين ، فلا يعلق قلبه بالمخلوق ، فإن تشوف إليه فينبغي ألا يقبض ما يعطاه ، ولا يمد يده إلى الأخذ منه ، حتى يرى أن المعطي هو اللّه ، ويكون ذلك ذوقا وحالا . قلت : وهذا الشرط إنما هو فيما يأخذ بغير سؤال ، وأما في حال السؤال فلا يشترط بل يكون علما ومجاهدة حتى يصير حالا وذوقا ، وأما ما يأخذ بغير سؤال فلابد من هذه المعرفة . وقال شيخ شيخنا : لا تشترط هذه المعرفة بل يكفيه العلم فيها ، وهو الأصح ما لم تتشوف نفسه إلى الخلق ، فإن تشوفت نفسه فليكف عن القبض من الخلق ، وليكتف بضمان الملك الحق ، قال تعالى :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها
[ هود : 6 ] . قيل لبعضهم : كيف خرجت من الدنيا بعد أن كانت في يدك ؟ قال : نظرت منصفا لنفسي في معنى قوله تعالى :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها
فرأيت جميع الخلق من البعوضة إلى الفيل تكفّل اللّه لهم بالرزق ، ففوضت أمري إليه واشتغلت بالعبادة . وقال عيسى عليه السلام : لا تهتموا بالرزق ، فإن الذرة على صغرها تؤتى كل يوم برزقها الحديث ، وقال أيضا عليه السلام : عجبت لمن يعمل للدنيا وهو يرزق فيها بلا عمل ، ولا يعمل للآخرة وهو لا يرزق فيها إلا بالعمل ، وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « من كان همّه الآخرة جعل اللّه غناه في قلبه ، وأتته الدنيا وهي راغمة ، ومن كان همه الدنيا جعل اللّه فقره بين عينيه ، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدّر له ، وإنّ الرزق ليطلب العبد كما يطلبه « 1 » » ، وكان يحيى بن
هامش
( 1 ) رواه البيهقي في الشعب ( 7 / 361 ) ، وهناد في الزهد ( 2 / 345 ) ، ابن عاصم في الزهد ( 33 ) .