وقال أبو الحسن الوراق رحمه اللّه « 1 » : من أشعر نفسه محبة شيء من الدنيا ، فقد قتلها بسيف الطمع ، ومن طمع في شيء ذل له وبذله هلك .
وقال أبو بكر الوراق : لو قيل للطمع من أبوك ؟ لقال الشك في المقدور .
فلو قيل له : ما حرفتك ؟ لقال : اكتساب الذل . فلو قيل له : ما غايتك ؟ لقال :
الحرمان انتهى . وفي معنى هذا أنشدوا :
اضرع إلى اللّه لا تضرع إلى النّاس * واقنع بعزّ فإنّ العزّ في الياس
واستغن عن كلّ ذي قربى وذي رحم * إنّ الغنىّ من استغنى عن النّاس
ولما كان سبب وجود الطمع هو الوهم والجزع ذكره بأثره فقال :
61 - ما قادك شيء مثل الوهم .
قلت : يقال قاد : الشيء يقوده جره إليه ، وقدت البهيمة : جررتها إليك ، والوهم : أول الخاطر ، وهو أضعف من الشك ، والمراد هنا ما خالف اليقين ، فيصدق بالظن والشك . يقول رضي اللّه تعالى عنه : ما جرّك شيء وقادك إلى الطمع في الخلق والتملق لهم والتذلل لما في أيديهم شيء مثل الوهم ، يعني أنك لما توهمت أن بيدهم نفعا أو ضرّا أو عطاء أو منعا طمعت فيهم ، وتذللت لهم واعتمدت عليهم ، وخفت منهم ، ولو حصل لك اليقين أن أمرهم بيد اللّه ، وأنفسهم في قبضة اللّه عاجزين عن نفع أنفسهم فكيف يقدرون على نفع غيرهم ، لقطعت يأسك منهم ، ولرفعت همتك عنهم ، ولتعلقت همتك برب الأرباب ، ولنبذت الأصحاب والأحباب أو تقول : ما قادك شيء عن حضرة الشهود والعيان إلا توهمك وجود الأكوان ، ولو انهتك عنك حجاب الوهم لوقع العيان على فقد الأعيان ، ولو أشرق نور الإيقان لغطى وجود الأكوان .
هامش
( 1 ) حرفت في المطبوعة إلى رمحة ، وهو خطأ واضح .