وإن أسعدت أشقت وإن أنصفت صفت * وكم حار فيها حازم الرأي عاقل
وإن أحسنت ساءت وإن أفرحت رمت * بحزن فيا اللّه ما ذي الفعائل
ولايتها عزل وأما عناؤها * فيعقبه فقر له المرء ذاهل
وهل أحد قد نال منها مراده * وهل بلغ الآمال من هو آمل
فيا عالما بالموت يأتيك بغتة * تلذ بعيش إنما أنت جاهل
ويا من بدنياه الدنية قد غدا * بلهو وأفراح بها القلب واجل
ألا إنما الدنيا كمنزل راكب * أناخ عشيا وهو في الصبح راحل
فأين سليمان الذي ملك الورى * وأين بنو عاد وتلك الجحافل
وأين ابن شداد الذي كان في الوغى * شجاعا وفي يوم الحروب ينازل
ترى أين ذو القرنين ثم جنوده * وأين ابن كنعان وتلك القبائل
ترى أين من سادوا وشادوا وعمّروا * ولذّ إليهم شربهم والمأكل
وأين ملوك الأرض شرقا ومغربا * وكل همام في الشجاعة طائل
ماتوا وفاتوا وانقضوا ثم أصبحوا * وسائدهم بعد الحرير الجنادل
ونحن كما ماتوا نموت جميعنا * وكل الذي في الكون فان وزائل
وكم غمني دهري بكل كريهة * وهول وأحزان بها القلب واجل
وأعظم شيء ساءني موت والدي * ومن بعده في الحزن ما أنا عاقل
إماما سمى يحيى وقطب زمانه * وليس له بين الأنام مماثل
وحزني شديد دائم لفراقه * وفوق خدودي الدموع هواطل
ألا يا القوم أمزجوا الدمع بالدما * ونوحوا وبوحوا إن دمعي هامل
ألا يا عيوني اسعفيني وساعدي * فوجدي مقيم والتصبر راحل
أيا نوم دعني لا تذق قط مقلتي * ويا مقلتي نوحي فجسمي ناحل
ويا أيها الصبر الجميل الذي مضى * عليك سلام اللّه إنك راحل
ويا نار أشواقي بقلبي تأججي * ويا مهجتي ذوبي فعزي زائل
فيا موت كم أنزلت بي من مصيبة * وأوهيت ركنا عمّرته الأفاضل