ومنها : أن يكابد خواطره ويعالج أخلاقه وينفى الغفلة عن قلبه بمداومة كثرة الذكر والفكر ، وأما المريد فإنما عمله الدائم في تنظيف ظاهره وباطنه من الصفات التي تمنعه من دخول حضرة اللّه عز وجل ، كالغضب وغم النفس والعجب والحسد والكبر ونحو ذلك ، فإذا تطهر المريد من الصفات فهناك يصلح لتلاوة القرآن ومجالسة الحق ، جل وعلا ، في الوقوف بين يديه في الصلاة ، هذا ما درج عليه السلف الصالح ، وقال المرصفي : قد عجز الأشياخ فلم يجدوا أسرع لجلاء القلب من مداومة الذكر ، كما مر .
ومنها : أن لا يستبطئ الفتح عليه بل يعبد اللّه لوجهه ، سواء فتح عين قلبه ورفع عنه الحجاب أم لا ، فإن العبادة من شروط العبودية ، وقال سيدي محيي الدين بن العربي : إياك أن تترك المجاهدة إذا لم تر أمارة الفتح بعدها ، وهذا الأمر لازم لا بد منه ، ولكن للفتح وقت لا يتعداه فلا تتهم ربك فإنه لا بد من أعمالك من الثمرة إن كنت مخلصا للّه في عملك ، وقال : احذر أيها المريد أن يكون قصدك من ذكرك وعبادتك الأجر والثواب ، فإن ذلك حاصل لك لا محالة ، وإنما ينبغي أن تكون همتك التلذذ بمناجاته تعالى ، والفوز بمجالسته ، فإن من عزم على مجالسة السلطان ينبغي أن لا يهتم بمأكله ولا بمشربه ولا بملبسه ما دام في خدمته .
ومنها : أن لا يمد يده للطعام إلا عند الضرورة ، ولو كان بين يده طعام كأمثال الجبال ، وإذا أكل لا يأكل إلا بقدر سد الرمق ، وقال بعضهم : فترة المريد بعد المجاهدة من فساد الابتداء ، أو كل مريد صادق لابد أن يترك الدنيا مرتين :
الأولى : يترك مطامعها ونعيمها وجميع شهواتها ، الثانية : أن يترك جاهها وتبجيل الناس له وقيمته عندهم لأجل تركها ، لأنه إذا عرف الزهد في الدنيا عظموه الناس حتى الملوك ضرورة ، فيكون تركه لذلك أعظم من تركه الأول ، لكن إذا أخذ
تحفة السالكين ودلائل السائرين لمنهج المقربين — صفحة 142
مساهمون: محمد بن حسن السمنودي الأزهري ( المنير )
ص١٤٢