تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تحفة السالكين ودلائل السائرين لمنهج المقربين — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
رأسه وصمت بلسانه وقلبه فلا يتكلم بحضرته إلا جوابا ، وإذا تكلم خفض صوته ، ولا يكتم شيئا مما خطر له من محمود أو مذموم ، لكن لا يذكر من الخواطر إلا ما دام وتكرر عليه ، ولا يذكره بحضرة الناس ، وأن يسلم لشيخه جميع ما يقوله ، فلا يعترض عليه قطعا ولو بالقلب ، فإن الشيخ ربما يكون رأى بالمريد شيئا لا حقيقة له ، مكرا به لسوء أدب وقع منه وهو لا يشعر ، ووقع لسيدي يوسف العجمي رضي اللّه عنه أنه امتحن مريدا تفرس فيه الخير ، فلم ينفر منه ، وكانت الفقراء عندهم غيرة منه لما رأوا تقديم الشيخ له ، فأراد أن يعلمهم بمرتبته وأنه يستحق ذلك دونهم ، فأمره أن يذهب لمكان ويأتي بالمرأة التي فيه ، ويأتي صحبتها بالجرة ، فذهب ذلك المريد فوجد المرأة والجرة فأتى بها ودخل على الشيخ بالمرأة والجرة ، فأخذ الشيخ المرأة والجرة ودخل مكانا وأغلق الباب عليهما ساعة ، فتغيرت الفقراء كلهم إلا ذلك الشاب ، لم يتغير لذلك ، فقال الشيخ له بعد ذلك : ما ترى ؟ فقال : يا سيدي ما اتخذتك معصوما من الوقوع في أقدار اللّه تعالى ، وإن سيآتكم حسناتنا فلا تضر الإساءة مع الحب ، ولا تنفع الحسنة مع البغض ، وإنما صحبتك لأنك عارف باللّه لتدلنى على اللّه ، والطريق الموصل إليه ، لأنك أعرف بها منى ، قال له : اذهب بارك اللّه فيك . واعلم أن النفور لا يكون إلا من النفس وعدم المعرفة باللّه ، لأن من عرف اللّه وذاب نفسه لا يكون له اعتراض على اللّه في فعله أبدا ، خصوصا مع الأشياخ ، فيكون معهم كالنعال ومع غيرهم كالتراب ، لا قيمة له في حياته ، ولا جاها ولا مقاما لخبر : « من ظن أن له قيمة عند الناس سقط من عين اللّه ، ومن ميز نفسه على فظهر صار الوجود يلعنه .