اعلم أنه لم يبلغ أحد إلى حالة شريفة ودرجة منيفة إلا بصحبة الأشياخ والاجتماع بهم ، والأخذ عنهم نفسا بنفس ، وملاحظتهم وملازمة الأدب معهم ، ودوام خدمتهم ، ومن صحبهم على غير طريقة الاحترام حرم فوائدهم وبركات نظرهم ، قال سيد الطائفة الجنيد رضي اللّه عنه : من حرم احترام المشايخ ابتلاه اللّه بالمقت بين العباد ، نسأل اللّه العافية ، وقال بعضهم : إنما حرم المريدون الوصول إلا بتركهم الأصول ، وعدم الاقتداء بالمشايخ والسلوك بالهوى ، فطالت عليهم الطريق ، وربما مات أحدهم في أثنائها ، ولم يحصل له حاصل ، وقال بعضهم : من جالس هذه الطائفة ثم لم يتأدب معهم سلب اللّه نور الإيمان منه ، قال الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي :
ما حرمة الشيخ إلا حرمة اللّه * فهم بها أدبا للّه باللّه
هم الأدلاء والقربى تؤديهم * على الدلالة تأييدا من اللّه
الوارثون هم للرسل أجمعهم * فما حديثهم إلا عن اللّه
كالأنبياء تراهم في محاربهم * لا يسألون من اللّه سوى اللّه
فإن بدا منهم حال تولههم * عن الشريعة فأتركهم مع اللّه
لا تتبعهم ولا تسلك لهم أثرا * فإنهم ذاهلون العقل في اللّه
لا نقتدى بالذي زالت شريعتهم * عنه ولو جاء بالأنباء عن اللّه
فأداب المريد مع الشيخ كثيرة ، ولنذكر لك نبذة .
منها : أن لا يدخل عليه إلا مطهرا ، ولا يطرق عليه باب خلوته إذا كان فيها ، بل يذكر اللّه جهرا فإذا سمعه وأراد الاجتماع به وأمره بالدخول دخل عليه ، وإلا انصرف ، وأن لا يجلس في مكان حيث يراه إذا دعاه سمعه ، وإذا جلس عنده أطرق