ذلك الفعل ( منسوبا له ) من حيث الظاهر ، لأن اللّه تعالى يفعل ذلك وينسبه له حكما شرعيا ، لظهوره عليه ، ( ولكنه ليس منه ) بل هو من اللّه تعالى به « 1 » . قال تعالى
وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ
« 2 » ، مع أن الدعاء ظاهر من عبده وقال تعالى :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ( 63 ) أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ
« 3 » ، مع أن الزارعين هم عباده . فاللّه تعالى له أن ينسب أفعاله إلى عباده مرة وأن يسلبها عنهم وينسبها إليه تعالى مرة أخرى وذلك ( لأنه ) أي الكامل المذكور ( عزل ) ، أي عزله اللّه تعالى نفسه ( عن التصرفات البشرية ) لذهاب ظلمة الطبيعة عن عين بصيرته وإشراق نور الإيمان في قلبه ، فتبدلت بشريته بملكيته ، وزالت عنه ظاهرا وباطنا جميع الحركات والسكنات النفسانية ( بالكلية ) .
كما قال تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم :
وَما رَمَيْتَ
يا محمد حقيقة في باطن الأمر ( إذ ) ، وحين ( رميت ) مجازا في ظاهر الحال ، وذلك حين أخذ كفا من تراب ورمى به في وجوه الأعداء في بعض الغزوات فانهزموا ، ( ولكنّ اللّه ) سبحانه وتعالى هو الذي ( رمى ) حقيقة في باطن الأمر ، ولكن نسب اللّه تعالى ذلك الرمي إليك في الظاهر تكريما لك لكونه فعلا من أفعال اللّه تعالى أظهره على يديك بعد أن خلق في قلبك قصدا وإرادة له وفي يدك قوة عليه ، وأنت قصدك وإرادتك ويدك وقوتك ورميك وترابك وأعداؤك ، كلّ ذلك أفعال اللّه تعالى وحده لا شريك له في ذلك .
وجميع أفعال المكلفين وغيرهم من هذا القبيل ، ولكن ليس الأعمى كالبصير ، والكامل بصير فجميع أفعاله هكذا ، فقد انعزل عن التصرفات البشرية بالكلية . ولهذا قال المصنف صلى اللّه عليه وسلم عن الآية المذكورة المخصوصة بالرمي المنزلة في حق النبي صلى اللّه عليه وسلم ( يمكن ) في معناها ( أن يكون بهذا المعنى ) المتقدم ذكره العام في جميع الأفعال .
هامش
( 1 ) أي بالعبد ، أي أن العبد مظهر للفعل الإلهي وليس هو الفاعل للفعل .
( 2 ) سورة يونس الآية : 25 .
( 3 ) سورة الواقعة الآية : 63 - 64 .