( كما قال بعض الأكابر ) من الصوفية المحققين : ( إن الشخص إذا انتقل ) أي تحول في مراتب علمه باللّه تعالى ( إلى أي محل ) مكان من ذلك ، ( لا تفارقه الصفات الخبيثة ) التي في نفسه من أصل الطبيعة البشرية ( ما لم تنتقل عنه ) بأن تنصرف في مصارفها ، ولا يمكن أن تذهب بالكلية لأن في ذلك ذهاب البشرية ، وهو ممتنع في البشر ، وإنما ينصرف الشح في الدنيا إلى الشح على الطاعة والقربات ، وينصرف الحرص على اللذائذ الجسمانية إلى الحرص على اللذائذ الروحانية ، وينقلب البخل بالدنيا بخلا بالدين ، والحقد على المؤمنين حقدا على الكافرين من أهل الحرب ، ويصير الحسد على المال والجاه غبطة على الدين والتقوى ، ويتبدل المكر والبغي بين المؤمنين بالمكر والخديعة في سبيل اللّه تعالى .
وهكذا صفات النفس المذمومة تنصرف إلى أمور تحمد فيها فتصير بسبب ذلك محمودة قال تعالى :
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
« 1 » ، ولم يقل بذل شح نفسه لأن شح النفوس لا يزول ، وإنما يوقّاه الإنسان فينجو منه ، وهكذا سائر الأخلاق .
( وقيل ) معنى « سفر در وطن » يعني ( رؤية الغيب ) وهو اللّه كما قال بعض المفسرين في قوله تعالى :
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
« 2 » ، إن الغيب هو اللّه تعالى أو المراد رؤية عالم الغيب وهو عالم الآخرة ( في ) عالم ( الشهادة ) من هذه المعقولات والمحسوسات ، فيرى اللّه تعالى في كل شيء يشهد في معقول أو محسوس على الأول ، أو يرى جميع ما أخبرت بالأنبياء عليهم السلام من أمور الآخرة في كل معقول أو محسوس على الثاني فتكون الدنيا هي ظهور الآخرة للقاصرين على حسب شهودهم ، فإذا كملوا بأحوال الموت والبرزخ شهدوا حقائق ما كانوا يسمونه دنيا ؛ وشهود ذلك في هذا العالم رؤية الغيب في الشهادة .
هامش
( 1 ) سورة الحشر آية : 9 .
( 2 ) سورة البقرة آية : 3 .