تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
( تتصف به ) ، أي بذلك اللون ( قبل هذا ) اللون ( فقال اللّه تعالى في حق السعداء يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان ، وقال في حق الأشقياء
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ )
[ الانشقاق : 24 ] ، أي موجع ( فأثر في بشرة كل طائفة ) من الفريقين ( ما حصل في نفوسهم من أثر هذا الكلام ) وهو الإخبار المقتضي للسرور أو للحزن ( فما ظهر عليهم في ظواهرهم إلا حكم ما استقر ) عندهم ( في بواطنهم من ) المعنى ( المفهوم ) لهم ( فما أثر فيهم سواهم ) حيث بواطنهم أثرت في ظواهرهم ( كما لم يكن التكوين ) ، أي تكوينهم بالاتصاف بالوجود بعد العدم ( إلا منهم ) حيث أمرهم اللّه تعالى بذلك فامتثلوا أمره وانفعلوا له كما قدمناه ( فللّه ) سبحانه عليهم
( الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ )
[ الأنعام : 149 ] ، فليس لأحد حجة على اللّه أصلا . قال تعالى :
وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
[ الكهف : 49 ] ، وقال :
وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
[ النحل : 811 ] . * * * فمن فهم هذه الحكمة وقرّرها في نفسه وجعلها مشهودة له أراح نفسه من التّعلّق بغيره وعلم أنّه لا يؤتى عليه بخير ولا بشرّ إلّا منه . وأعني بالخير ما يوافق غرضه ويلائم طبعه ومزاجه ، وأعني بالشّرّ ما لا يوافق غرضه ولا يلائم طبعه ولا مزاجه . ويقيم صاحب هذا الشّهود معاذير الموجودات كلّها عنهم وإن لم يعتذروا ، ويعلم أنّه منه كان كلّ ما هو فيه كما ذكرناه أوّلا في أنّ العلم تابع للمعلوم ، فيقول لنفسه إذا جاءه ما لا يوافق غرضه : يداك أوكتا وفوك نفخ
وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
[ الأحزاب : 4 ] . ( فمن فهم هذه الحكمة ) الصالحية التي هي من نور مشكاة نبوّة صالح عليه السلام ( وقررها ) ، أي أثبتها وتحقق بها ( في نفسه وجعلها مشهودة له ) بحيث يشهدها بعين بصيرته ( أراح نفسه من التعلق بغيره ) من الناس ، ومن مطالبة بحق له عند أحد من الخلق في مظلمة ونحوها ، وإن تقرر ذلك عنده أيضا من جهة الحكم الشرعي واقتضى القانون الوضعي تعلقه بمن ظلمه في كل حق له عليه إقامة لحجة اللّه تعالى على الغافلين في الدنيا والآخرة من حيث تعلقهم بالأسباب ونظرهم إليها ، فإن هذا التعليق المذكور من حيث الباطن في النفس ، فلا يمنع التعليق من حيث الظاهر ( وعلم أنه لا يؤتى عليه ) ، أي لا يظفر ( بخير ولا شر ) في الدنيا والآخرة ( إلا منه ) ، أي من نفسه ، فإنها التي ظهر عنها تكوينها بأمر اللّه تعالى وصدر جميع أفعالها عنها أيضا بأمر اللّه تعالى ، وكان لها الجزاء منها أيضا بأمر اللّه تعالى . ( وأعني ) ، أي أريد بالخير المذكور ( ما يوافق غرضه ) ، أي غرض الإنسان
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص — صفحة 453 | عبد الغني ابن إسماعيل النابلسي / عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى