( ويلائم طبعه ومزاجه ) وكل أحد بحسبه في ذلك ( وأعني بالشر ما لا يوافق غرضه ) ، أي الإنسان ( ولا يلائم طبعه ولا مزاجه ) على مقتضى طبعه ومزاجه ( ويقيم صاحب هذا الشهود ) لهذه الحكمة الإلهية الصالحية ( معاذير ) جمع معذرة بمعنى العذر ( الموجودات كلها عنهم ) ، أي نيابة عن أنفسهم ( وإن لم يعتذروا ) ، وإن لم يعرفوا كيف يعتذرون ، فإنه يعرف أعذارهم كلهم في كل ما هم فيه من حق أو باطل ، أو خيرا أو شرا أو ظلم لأنفسهم أو لغيرهم ، أو عدل في حق أنفسهم ، أو في حق غيرهم على كل حال من أحوال الدنيا والآخرة ، وإن كانت الأحوال متناسبة كلها في ظهورها عليهم فلا يرى من يعمل خيرا إلا خيرا ، ولا يرى من يعمل شرا إلا شرا ، لأن هذه حكمة ترتيب الأعيان الممكنة المعدومة بالعدم الأصلي على ما هي عليه في أنفسها حيث كشف عنها العلم الإلهي ، وأحاطت بها الحكمة الإلهية ، فتوجهت عليها الإرادة على حسب ما هي عليه ، فإن الشريعة المطهرة كاشفة عن هذه الحكمة في اعتبارها الأسباب الموضوعة للخير والشر .
( ويعلم ) صاحب هذا الشهود أيضا ( أنه ) ، أي الشأن ( منه ) ، أي من نفسه ( كان كل ما هو فيه ) ، أي في نفسه من علم أو جهل أو خير أو شر أو حال مطلقا في الدنيا أو الآخرة ، فلا يلزم أحدا في أمر من الأمور أصلا من حيث باطن الحقيقة التي أعطته علم ذلك مع جريانه على مقتضى شريعة تلك الحقيقة في أحكامها من حيث الظاهر ( كما ذكرناه ) ، أي على حسب ما سبق بيانه ( أوّلا ) في فص الإبراهيمي من ( أن العلم ) الإلهي ( تابع للمعلوم ) الممكن في حال إمكانه كاشف عنه على مقتضى ما هو عليه ، فهو حاكم عليه إذا أوجده بما أخذ منه ( فيقول ) صاحب هذا الشهود ( لنفسه إذا جاءه ) من غيره أو من نفسه ( ما لا يوافق غرضه ) مما يسمى شرا في الدنيا أو في الآخرة ( يداك أوكتا ) ، أي ربطتا ( وفوك ) ، أي فمك ( نفخ ) يعني لا أحد غيرك فعل بك ما تجده مما لا يوافق غرضك ، وهو مثل يضرب لكل من أتى عليه من قبل نفسه ( واللّه ) سبحانه ( يقول الحق ) بكلامه المطلق عن المعاني والحروف والأصوات الظاهر بكلام غيره المقيد بالمعاني والحروف والأصوات ( وهو ) سبحانه
( يَهْدِي السَّبِيلَ )
[ الأحزاب : 4 ] ، أي الطريق الحق لمن يشاء من عباده فيدلنا على المطلق في جميع المقيدات .
وإلى هنا انتهى الكلام عن الحكمة الصالحية من فيض الأنوار الإلهية على قلب شيخ الصوفية سيدي عبد الغني النابلسي قدس اللّه سره آمين .
تم الجزء الأول ( من شرح جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص ) ويليه الجزء الثاني وأوله شرح قوله : « فص حكمة قلبية في كلمة شعيبية »
* * *