وعلى الحقيقة فما ثمّ إلّا حقيقة واحدة تقبل جميع هذه النسب والإضافات الّتي تكنّى عنها بالأسماء الإلهيّة .
والحقيقة تعطي أن تكون لكلّ اسم يظهر إلى ما لا يتناهى ، حقيقة تتميّز بها عن اسم آخر ، وتلك الحقيقة الّتي بها يتميّز الاسم عينه لا ما يقع فيه الاشتراك .
( والمعطي ) من تلك الأسماء كلها في عالم الغيب ( هو اللّه ) تعالى في حضرة البطون كما أن هذه الأسماء له تعالى هي حضرة الظهور ( من حيث ما هو ) سبحانه وتعالى ( خازن ) ، أي جامع ( لما عنده ) من حوائج السائلين كلها ( في خزائنه ) المملوءة مما لا يتناهى ( فما يخرجه ) ، أي ذلك الذي في خزائنه لعباده ( إلا بقدر ) ، أي بمقدار ( معلوم ) له قبل إخراجه لا يزيد ولا ينقص كما قال تعالى :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
( 21 ) [ الحجر : 21 ] ، ( على يدي اسم ) إلهي ( خاص بذلك الأمر ) المخصوص بحسب التفصيل المذكور ( ف
أَعْطى )
اللّه سبحانه
( كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ )
، أي ما خلقه له يعني قدره مما يليق به ( على يدي الاسم العدل ) ، فلم يظلم شيئا ( وأخواته ) كالاسم الحكم والوالي والقهار ونحو ذلك .
( وأسماء اللّه ) تعالى ( وإن كانت لا تتناهى ) كثرة ، فمنها ظواهر ، ومنها ضمائر ، والظواهر منها ما ورد في الشرع بلفظه ، ومنها ما لم يرد بلفظه ، ولكن وقعت الإشارة إليه كقوله تعالى :
* يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
( 15 ) [ فاطر : 15 ] .
قال الشيخ الأكبر صاحب المتن قدس اللّه سره في هذه الآية ، قد تسمى اللّه تعالى فيها باسم كل شيء . ومراده من حيث يفتقر إليه العبد ، فإنه لا يفتقر إلا إلى اللّه تعالى كما نطقت به هذه الآية ، فالاسم الواقع على ذلك الشيء المفتقر إليه من جملة أسماء اللّه تعالى التي لم يرد التصريح بها في الشرع ، وإنما ورد الرمز إليها بطريق الإشارة ، وقد أخبرني بعض الإخوان أنه رأى في منامه قبر إبراهيم الخليل وقبر هود عليه السلام وأنه جالس بينهما يتلو أسماء اللّه الحسنى حتى فرغ منها كلها ، فسكت فسمع من القبرين من يقول له : أكملها . ثم سمع إكمالها من القبرين بكلام يخرج على منوال ما تلاها ، فإنه قال : اللطيف الخبير العلي العظيم إلى آخره فقيل له :
الكافر الفاجر الفاسق التاجر البائع المشتري ، وهكذا إلى آخره من هذا القبيل ما لا يحصى ، فأصبح خائفا من ذلك مذعورا ، فقص عليّ هذه الرؤيا بحقيقتها وعرفته الأمر على ما هو عليه ، فاعترف به وهو يؤيد ما ذكر هنا .