التحقيقات ما يمكن أن تستفيد من تحقيق وجود الكلي مع فرده مع ما استفدت من أن الإنسان كسائر الأشياء لها مراتب مترتبة ، فله أيضا تلك المراتب المختلفة فهاهنا إنسان حسّي وإنسان مثالي نفسي وإنسان عقلي إلهي كما سبق في الحديث من قوله : « فكنّا نحن خلقا وبشرا نورانيين » .
وبالجملة ، علمت من ذلك غرض أهل اللّه من قولهم : إنّ كل إنسان في النشأة الآخرة فهو عالم برأسه مشتمل على جميع ما ينبغي أن يكون في العالم .
وممّا استفدت من ذلك حقيقة عالم المثال وأنّه هو هذا الجسم الأوّل اللطيف النوري الغائب عن الحسّ والمؤيّد بالقوى الفائضة عليها من النفس .
وتعلّمت أنّ حضرة النفس وعالم المثال وإن كانا عند القوم عالمين برأسهما وانفرادهما إلّا أنّهما عندنا حضرة واحدة وعالم واحد ؛ لأنّ النفس لا فعل لها إلّا في المادّة والمادّة لا حيثية لها إلّا بالنفس ، فعالم المثال عندنا عبارة عن الجسم الأول الشخصي النوري مع ما له من قوّة النفس الكلية .
وتعرّفت أيضا أنّ الحضرات الخمس التي شاع اصطلاحها عند القوم وبنوا أكثر أحكامهم عليها اليوم فهو بالنظر العرفاني هي عوالم ثلاثة أي العالم العقلي العلوي ، وعالم الغيب الإمكاني ، والعالم الحسّي كما يظهر من الأخبار عن الأئمة الأطهار عليهم السّلام ومن أقوال قدماء الحكماء من اليونانيين والهنود وغيرهم . وبالجملة ، ظهر أن ليس في الكون إلّا اللّه وأسماؤه وأفعاله .
وممّا اطّلعت عليه هو كيفيّة معراج النبي صلّى اللّه عليه وآله وصعوده إلى فوق سبع سماوات في الزمان القليل المشهور بين الأمّة المرحومة . وعلمت كيفية الإتيان بعرش بلقيس في طرفة عين . وعرفت حقيقة أكثر المعجزات للأنبياء المصطفين وكيفيّة حركات الجنّ والملائكة في مدة قليلة مسافة مديدة .
وممّا انكشف لك من ذلك حقيقة حدوث النّفس ووجه القول بقدمها وأنّ القول بالحدوث هو الصواب والموافق للآداب ، إذ الوضع الإلهي المشاهد يعاضده ولا أعظم من المشاهدة وقد ورد عن أمير البررة وقاتل الكفرة على ما ذكر في الدرر والغرر « 1 » : « إنّ الصدق
هامش
( 1 ) . غرر الحكم ودرر الكلم ، حكمة 1552 و 1553 .