مقدّمة
اعلم أنّ القوم قد قالوا في هذا المقام كلّ قيل ، وأظنّهم لم يسلكوا حقّ السبيل ؛ فإنّ بعضهم لم يأتوا البيوت من أبوابها ، وطائفة « 1 » لم يستأذنوا للدخول فيها من أربابها . وإنّما هم بين من يتخطّى حذو الآباء فأدركهم الخطاء ، وبين من يضع من عنده الأصول في أبواب وفصول فيحجبه ذلك عن الوصول إلى أصل الأصول ؛ والرجل العلمي لا يقول : إنّا وجدنا آبائنا « 2 » ، لا ما لم يحط به خبرا « 3 » ، بل إنّما يحكم على العقل الصراح ، وقد « استغنى الصباح عن المصباح » . فالملقى إليك في هذا الكتاب إنّما هي أصول أحكمها البرهان وحكم بها ( ؟ ) ، وقواعد أسّسها شرع الميزان واستسلم العقل لها ؛ فأنصتوا وراعوها واستمعوا ثمّ احفظوها - جعلها اللّه من استراق سمع الشياطين بمعزل أبعد بعيد ، ومن اختطاف أهل الهوى بمنزل وقصر مشيد - واللّه الهادي ومن الاستعانة في التسديد . وها أنا أشرع في المقصود مستمدّا من اللّه واهب العقل الجود .
الدرجة الأولى وهي مبتنية على قواعد عقلانية وأصول « 4 » برهانية
قاعدة [ 1 ] [ إشارة إجمالية إلى العقل والنفس والهيولى والصورة والجسم والطبيعة وتعاريفها ]
ينبغي لك أن تعرف أوّلا : ما العقل وما برهانها ؟ وما النفس وما شأنها ؟ وما الطبيعة وما بنيانها ؟
فاعلم أنّ العقل هو النور الأول الذي ابتدأ من المبدأ « 5 » الأوّل من تعقله نفسه الذي هو
هامش
( 1 ) . ن : فطائفة .
( 2 ) . اقتباس من الآية 74 من سورة الشعراء :قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ.
( 3 ) . اقتباس من الآية 68 من سورة الكهف :وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً.
( 4 ) . ن : أصولا .
( 5 ) . ن : البدو .