وأيضا من المستبين عند أهل المعرفة أنّ مبدأ الإفاضة والهبة وتحريك الموادّ للاستعدادات اللائقة إنّما هو من « ربّ العالمين » وهو مفتاح باب الجود والكرم ومشكاة اقتباس نور القدم « 1 » ، إذ ليس فوقه مرتبة إلّا الألوهيّة ونسبتها إلى الكلّ سواسية ، فلا يبعد منها البعيد عن مرتبة الفيض والوجود « 2 » ولا يقرب عندها القريب من استفاضة الخير والجود . وهذا الذي أقول لا يعرفه إلّا الأوحديّ من العرفاء لأنّه من علوم الأولياء . ولا ريب أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله هو الواسطة في إفاضة تلك الخيرات ولولاه لما دارت السماوات ، وهو الذي بتوسّط نوره وجدت الحقائق « 3 » من الأرض إلى السماك ، كما في الخبر القدسي : « لولاك لما خلقت الأفلاك » « 4 » .
وأمّا كونه صلّى اللّه عليه وآله يظهر بوجوده وبعثته أحكام « مالك يوم الدّين » فلأنّه أكمل الأناسيّ ولو لم يكن الإنسان الكامل لما كانت الدنيا وإذا لم تكن دنيا فلا آخرة ، قال اللّه تعالى :
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ
« 5 » فعمارة الدنيا والآخرة إنّما هو بوجود الكامل الذي لا أكمل منه وهو سيّد النبيّين « 6 » وخلاصة المرسلين هادي نوع البشر « 7 » وأشرفهم « 8 » في الخطر سيّدنا وسيّد أهل البدو والحضر محمّد سيّد الكونين والثقلين والفريقين من عرب ومن عجم صلّى اللّه عليه وآله . كلّ ذلك قد استقرّ في مقرّه بالبراهين القطعيّة .
وأمّا وجه التعبير عن الاسمين « الرّحمن الرّحيم » ب « السنتين » فلأنّ السنة عبارة من مدّة الدورة الكاملة للشمس الحسيّة في البروج الاثني عشر من فلك البروج ، ومن المستبين أنّ الأسماء الإلهيّة المدّبرة للكون لأجل ما لها من البساطة الصّرفة
و
هامش
( 1 ) . القدم : المقدم ن .
( 2 ) . الوجود : الجود ن .
( 3 ) . الحقائق : حقائق م .
( 4 ) . بحار ، ج 25 ، ص 28 ؛ ج 16 ، ص 406 ؛ نقله الشارح في شرح التوحيد ، ج 3 ، ص 600 في حديث الحجب عن البكري من أكابر علماء أهل السنة ومن مشايخ الشهيد الثاني وحديث الحجب مذكور في الخصال للصدوق ، في أبواب الاثني عشر ، ص 481 - 483 وليست فيه عبارة « لولاك لما خلقت الأفلاك » .
( 5 ) . الواقعة : 62 .
( 6 ) . النبيين : البشر ن ج .
( 7 ) . نوع البشر : - ن .
( 8 ) . أشرفهم : أشرف النبيين ن ج .