وإذا كان مرجع الكرامات إلى قدرة اللّه تعالى كما تقرّر ، فلا فرق بين حياتهم ومماتهم ، فإنها بمحض خلقه وإيجاده لها أكرمهم بها ، وأجراها على أيديهم وبسببهم تارة بفعلهم واختيارهم وتارة بغير اختيار ولا قصد ولا شعور منهم ، وتارة بالتوسل إلى اللّه تعالى بهم .
وليس لهم مشاركة للبارئ سبحانه البتة ، فلا يظن بمسلم ولا بعاقل توهم ذلك فضلا عن اعتقاده ، فكيف يحكم على مثبت الكرامة لهم بالكفر ؟ مع كون ثبوتها هو الحق الذي لا يحيد عن وجوب اعتقاده لثبوته بنص الكتاب والسنة واتفاق جمهور السلف والخلف وكتبهم طافحة بهم .
وإنه جائز وواقع وشائع وذائع ، بل متواتر تواترا يفيد اليقين لا مرية فيه بوجه البتة حتى كاد أن يلحق بالضروريات بل بالبديهيات ، فقد اتفقت كلمة علماء الإسلام قاطبة على أن معجزات نبينا صلى اللّه عليه وسلم لا تنحصر ؛ لأن فيها ما أجراه اللّه تعالى ويجريه لأوليائه من الكرامات أحياء وأمواتا إلى يوم القيامة .
وذلك أمر يضيق عنه نطاق الحصر بالضرورة قطعا ، وإن ذلك من جملة معجزاته صلى اللّه عليه وسلم الباقية بعد موته الدالة بالضرورة دلالة قطعية على صحة نبوته ، وعموم رسالته التي لا ينقطع رواتها ، ولا تجددها بتجدد الكرامات في كل عصر من العصور إلى يوم القيامة ، كما قرره ابن الصلاح وغيره .
قال بعض الأئمة ومطالعة الصفوة وغيرها :
« يحصل العلم بوقوعها ضرورة » .
وقد رأينا من كراماتهم أحياء وأمواتا ما يوجب ذلك ، فلا ينكرها إلّا مخذول فاسد الاعتقاد في أولياء اللّه تعالى ، نفعنا اللّه ببركاتهم وحشرنا في زمرتهم .
وذكر الجلال السيوطي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وسائر الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - أحياء ردت إليهم أرواحهم بعد ما قبضوا ، وأذن لهم في الخروج من قبورهم ، والتصرف في الملكوت العلوي والسفلي ، وأورد نقولا وأحاديث كثيرة .
ثم قال : « وحصل من مجموع هذه النقول ، والأحاديث أن النبي صلى اللّه عليه وسلم
جمع المقال في إثبات كرامات الأولياء في الحياة وبعد الانتقال — صفحة 446
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٤٤٦