لم يبق صيب مزنة إلّا وقد * وجبت عليه زيارة ابن الفارض
لا غرو أن يسقى ثراه وقبره * باق ليوم العرض تحت العارض
انتهى ملخصا « 1 » .
هامش
( 1 ) قلت : فالشيخ المترجم له هو العارف باللّه تعالى سلطان العاشقين سيدي عمر بن أبي علي بن مرشد بن علي ، الحموي الأصل ، المصري المولد والدار والوفاة ، ولد سنة ستّ وخمسين أو ستين وخمسمائة ، نشأ تحت كنف أبيه ، في عفاف وصيانة وعبادة وديانة ، بل زهد وقناعة وورع ، فلمّا شبّ وترعرع اشتغل بفقه الشافعية ، وأخذ الحديث عن الحافظ ابن عساكر وعن الحافظ المنذري وغيره ، ثم حبب إليه الخلاء ، وسلوك طريق القوم ، فتزهّد وتجرّد ، وصار يأوي إلى الجبل الثاني من المقطم ، والمساجد المهجورة مرة ، ثم يعود إلى والده ، فيقيم عنده مرة ، فيشتاق للتجرد فيعود إلى الجبل ، وهكذا حتى ألف الوحش وألفه الوحش ، فكان لا يفرّ منه ، ومع ذلك لم يفتح عليه بشيء ، حتى أخبره شيخه الشيخ أبو الحسن على البقال أنه إنما يفتح عليه في مكة شرّفها اللّه ، فخرج فورا في غير أشهر الحج ، ولم تزل الكعبة أمامه حتى دخلها ، وانقطع بواد بينه وبين مكة عشر ليال ، ففتح عليه فصار يذهب من ذلك الوادي إلى مكة ، فيصلّي بها الخمس ويعود إلى محله من يومه ، وأنشأ غالب نظمه حالتئذ ، وأقام على ذلك نحو خمسة عشر عاما ، ثم رجع إلى مصر ، فأقام بقاعة الخطابة بالجامع الأزهر ، وعكف عليه الأئمة ، وقصد من العام والخاصّ ، حتى أن الملك الكامل كان ينزل لزيارته ، وسأله أن يعمل له ضريحا عند قبره ، بالقبة التي بناها على ضريح الإمام الشافعي ، فأبى ، وكان رضي الله عنه جميلا نبيلا حسن الهيئة والملبس ، فصيح العبارة ، حسن الصحبة والعشرة ، وذكر أنه رأى المصطفى صلى اللّه عليه وسلم في نومه ، فقال : ( إلى من تنسب ؟ ) . فقال : يا رسول اللّه إلى بني سعد ، قبيلة حليمة . فقال له صلى اللّه عليه وسلم : ( بل نسبك متصل بي ) . وكان له أحوال كريمة وكرامات عظيمة ، ومن أجلّها ديوانه الذي اعترف بحسنه الموافق والمخالف ، لا سيّما القصيدة التائية المسماة ب « نظم السلوك » .
روى ابن بنته عنه : أنه لما أتمّها رأى النبيّ - عليه الصلاة والسلام - في المنام ، فقال : يا عمر ، ما سميت قصيدتك ؟ قال : سميتها : « لوائح الجنان وروائح الجنان » ، فقال له صلى اللّه عليه وسلم : لا ، بل سمها : نظم السلوك .
وقد اعتنى بشرحها جمع من الأعيان : كالسراج الحنفي الهندي قاضي الحنفية بمصر ، وكان كثير المحبة للشيخ ، حتى أنه عزّر ابن أبي حجلة ؛ لتكلّمه في الشيخ بما لا يرضي اللّه ، والشمس البسطامي ، -