لأن الاختلاف بين أهل السنة والمعتزلة وقع فيها ؛ لأنها دار محل كرامة جميع المؤمنين .
وقال شارحها السمهودي : ينبغي أن يكون ظهور الكرامات في حال موتهم أولى من ظهورها حال حياتهم ؛ لأن النفس صافية من الأكدار والمحن وغيرها ، وقد شوهد ذلك في كثير منهم بعد موتهم ، وقد يدخل ذلك في كلام الناظم ، فإن قوله : « بدار دنيا » صادق بحياته وبعد موته انتهى .
وبهذا ظهر أن من احتجّ بهذا البيت على انقطاع الكرامات بعد الموت ، حتى نسب إلى مذهب الإمام أبي حنيفة القول بانقطاع الكرامات بالموت وأهم ، وعن طريق الهدي ضال ، إذ لم يثبت في شيء من كتب مذهب أبي حنيفة أصولا وفروعا ، القول بانقطاع الكرامات بالموت ، بل لم يثبت في شيء من كتب المذاهب الثلاثة ، فمن ادعى ذلك فعليه البيان ، وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان انتهى كلام الشهاب الحموي ملّخصا .
قلت : يؤخذ من منه إجماع الأئمة - رضي اللّه عنهم - على وقوع الكرامات من الأولياء في الحياة وبعد الممات ، فالمخالف لهم خارق للإجماع لا يعول عليه ، ولا يلتفت إليه في جدال ونزاع ، ومن الشاهد المحسوس حفظ اللّه تعالى لمن أراد زيارته بحسن إخلاص واعتقاد صحيح من شر الأعداء المراقبين له ، ومن قطاع الطريق ، فلا يقع خلاف ذلك إلا نادرا .
فهذه كرامة عظيمة ، وأما ما يقع من الأنس الباطني « 1 » ، والإشراق
هامش
( 1 ) قال أهل التحقيق : الأنس : هو ظهور علامات تشعر النفس بنيل المراد ، وحقيقته : مد يد الأطماع إلى اقتطاف ثمر المواصلة ، وغايته : تصرف العبد في ملك الرب ؛ اعتمادا على التحقيق بصحة المحبة التي توجب رفع علل المغايرة انتهى .
والأنس له أقسام : فأنس بالخلوة ، وأنس بالعبادة ، وأنس به تعالى وهو المراد هنا .
أما الأنس بالخلوة فصاحبه ينقص بالانفصال عنها ، والأنس بالعبادة يتم بحسب اعتمادها مع النظر إلى وعد جزائها ، والأنس به تعالى ينشأ عن كمال المعرفة بعظمته تعالى وجلاله وجماله ، وباقي كمالاته من الإنعام ، وانفراده بالأحكام ، وصاحبه يستوي عنده الاجتماع بالخلق والانفراد عنهم ، وهو -