- وفي المرّة الثانية : رأيت رب البيت ولم أر البيت .
- وفي المرّة الثالثة : لم أر البيت ولا ربّ البيت .
فكان الحاصل من مقالته ، ومن اعتبار حاله :
- أن حجته الأولى : من حج العوام في سائر الأعوام .
- وأن الثانية : كانت في بداية مقام الفناء ، ففني عن رؤية كل محسوس ، فلم ير أحدا أحق بالوجود من اللّه تعالى ، وهذا معنى قوله : رأيت ربّ البيت ولم أر البيت . وإلا فربّ البيت لا يجوز أن يرى في الدنيا .
- وكانت نفسه في الحجة الثالثة ليست موجودة معه حتى يرى بها شيئا ، ففني في فناء قرب الحق تبارك وتعالى فناء كليّا ، وأشار إليه القائل :
فيفني ثمّ يفنى ثمّ يفنى * فكان فناؤه عين البقاء
ففي مقل هذه الغيبة يحصل الحضور ، وقد دلّت الأدلة على أن الأنبياء يسيرون في الكون .
هذا ما رويناه في كتاب « الإعلام بحكم عيسى عليه السلام « 1 » » لجلال السيوطي :
إن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يطوف بالبيت خفية ، فسلم على شيء في الهواء ، فسئل عن ذلك فقال : « رأيت عيسى بن مريم يطوف بالبيت فسلّم عليّ وسلمت عليه » .
فاستقر الحال على أن عيسى عليه السلام كما قال الحافظ السيوطي والذهبي وغيرهما : نبيّ ، ورسول ، وصحابيّ ، وأنه أفضل الصحابة ، وأن الأنبياء والمرسلين يسيرون في الكون لنفعهم ونفع العباد ، وأن النبي صلى اللّه عليه وسلم ملأ العوالم كلها العلوية والسفلية ؛ لأنه لو لم يكن الأمر كذلك لزم منه أنه متى سار يصير قبره خاليا منه ، ويكون الزائر إنما يزور الضريح فقط . وهذا لا يقول به أحد .
وأيضا قوله عليه السلام : « من رآني في المنام فسيراني في اليقظة « 2 » » .
من أصرح صريح ، وأدل دليل ، وأقوى برهان ، وأثبت حجّة على ذلك ،
هامش
( 1 ) مطبوع ضمن الحاوي للفتاوي ( 2 / 155 ، 167 ) .
( 2 ) رواه البخاري ( 6 / 2567 ) ، ومسلم ( 4 / 1775 ) .