يصل لمزيد القرب أهلا إلّا في المرة الثالثة .
قال رضي الله عنه : حججت ثلاث مرات :
- ففي المرّة الأولى : رأيت البيت ، ولم أر ربّ البيت .
هامش
- وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « ولا تظنّنّ بكلمة برزت من امرئ مسلم سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا » انتهى كلامه - قدّس اللّه سرّه العزيز .
وأما قوله في بعض كلامه : رفعني وأقامني بين يديه ، يعني : أشهدني ذلك وأحضر قلبي لذلك ؛ لأن الخلق بين يدي اللّه سبحانه لا يذهب عليه منهم نفس ولا خاطر ولكن يتفاضلون في حضورهم لذلك ومشاهدتهم له ، ويتفاوتون في صفائهم عجب من كدورة ما يحجب بينهم وبين ذلك من الأشغال القاطعة والخواطر المانعة ، واللّه تعالى أعلم . وأما قوله : قال لي وقلت له ، فإنه يشير بذلك إلى مناجاة الأسرار وصفاء الذكر عند مشاهدة القلب لمراقبة الملك الجبار في آناء الليل والنهار .
واعلم أن العبد إذا تيقن بقرب سيده منه ويكون حاضر القلب مراقب الخواطر فكل خاطر يخطر خطر بقلبه كأن الحق سبحانه يخاطبه بذلك ، وكل شيء يتفكره بسره فكأنه يخاطب اللّه به إذ الخواطر وحركات الأسرار ، ما يقع في القلوب بدؤه من اللّه تعالى وانتهاؤه إلى اللّه ، فهذا على هذا المعنى ، واللّه أعلم . وفيما ذكرته كفاية وهذا الباب واسع ، وقد شرح الشيوخ ما نسب إليه من الكلام المغلق على أفهام بعض الناس كسيد الطائفة الجنيد والشيخ أبي النصر السراج وغيرهما قدس اللّه أرواحهم .
قال الجنيد - قدّس اللّه روحه : الحكايات عن أبي يزيد مختلفة ، والناقلون عنه فيما سمعوه متفرقون ، وذلك لاختلاف الأوقات الجارية عليه بما فيها والاختلاف بالمواطن المتداولة بما خص منها فكل يحكي عنه ما ضبط من قوله ، ويروي ما سمع من تفصيل مواطنه .
وقال الجنيد أيضا : وكأن كلام أبي يزيد - رحمة اللّه عليه - بقوته وغوره وانتهاء معانيه مغترف من بحر قد انفرد به ، وجعل ذلك البحر له وحده .
وقال الجنيد أيضا : كل الخلق يركضون فإذا بلغوا ميدان أبي يزيد هملجوا .
وقال أبو الحسين : ولعمري لقد كان يبدو منه الشيء بعد الشيء على سبيل الغلبة لا يجوز أن يتخذها الإنسان دعوى يدعيها . وقال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي : سمعت علي بن بندار ، يقول سمعت أبا بكر بن محمود يقول : بلغني أن أبا حفص قدم على أبي يزيد ، فقال له : يا أبا يزيد : يبلغنا عنك في كل وقت أشياء منكرة ، فقال : إنما يخرج الكلام مني على حسب وقتي ، ويأخذه كل بحسب وقته ثم ينسبه إلي ، واللّه أعلم .
وانظر في ترجمته : حلية الأولياء ( 10 / 40 ، 33 ) ، وفيات الأعيان ( 1 / 301 ) ، الرسالة القشيرية ( 17 ) ، طبقات الصوفية للسلمي ( 8 ) ، والكواكب الدرية ( 1 / 24 ) ، الطبقات الكبرى للشعراني ( 1 / 89 ) ، وروضة الحبور في مناقب الجنيد البغدادي وأبي يزيد طيفور لابن الأطعاني ( ص 18 ) بتحقيقنا .