وأمّا أمثالنا من الذين يقولون مالا يفعلون وينسون أنفسهم إذا كانوا بالبرّ يأمرون ففايدته في حقهم زيادة بصيرتهم في تقصيرهم وقصورهم حتى يصير ذلك سببا لمقتهم أنفسهم وذلهم وانكسارهم واطلاعهم على بواطن عيوبهم وفضايح غيوبهم وانزجارهم ، فان الايمان يقتضي أن لا يرضى العبد المؤمن لنفسه ما لا يرضى به مولاه ، فإذا لم يرض به يكون لا محالة دائم الحزن والنّدم ، كثير الغم والألم ، فإذا كان كذلك يرجى له أن يتداركه اللّه بالرحمة والمغفرة فان اللّه غفور رحيم .
وقد ورد أن العبد ليذنب الذنب فلا يزال منه خائفا ماقتا « 1 » لنفسه فيرحمه اللّه فيدخله الجنة ، وما خرج عبد من ذنب إلا بالاقرار ، والاعتراف بالذنب كفارة له ، ومن أذنب ذنبا فعلم أن اللّه مطلع عليه إن شاء عذبه وإن شاء غفر له غفر اللّه له وإن لم يستغفر
وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً
« 2 » .
ونحن نستغفر اللّه من كلّ ما زل به القدم أو طغى به القلم ، ومن أقوالنا التي لا يوافقها أعمالنا ، وممّا ادّعيناه وأظهرناه من العلم والبصيرة بدين اللّه تعالى مع التقصير فيه ، ومن كل علم وعمل قصدنا به وجهه الكريم ثمّ خالطه غيره ، ومن كل وعد وعدنا به من أنفسنا ثمّ قصرنا في الوفاء به ، ومن كل نعمة أنعم اللّه بها علينا فاستعملناها في معصيته ، ومن كلّ تصريح وتعريض بنقصان ناقص وتقصير مقصّر كنا متصفين به ، ومن كلّ خطرة « 3 » دعتنا إلى تصنّع وتكلف تزيّنا للناس في كتاب سطرناه أو كلام نظمناه أو علم أفدناه واستفدناه .
ثمّ نرجع إليه بعد الاستغفار من جميع ذلك كله لنا ولمن طالع كتابنا هذا أو كتبه أو سمعه أن يتفضل علينا بالمغفرة والرّحمة والتجاوز عن جميع السّيئآت ، فان الكرم عميم والرّحمة واسعة والجود على أصناف الخلايق فايض ، ونحن خلق من خلق اللّه لا وسيلة لنا إليه إلا فضله وكرمه .
فقد قال رسول اللّه ( ص ) : « إنّ للّه تعالى مأة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجنّ والانس والطير والبهايم والهوام ، فبها يتعاطفون وبها يتراحمون ، وأخر تسعا وتسعين رحمة يرحم اللّه بها عباده يوم القيامة » « 4 » .
هامش
( 1 ) مقت مقتا وماقتا الرجل أبغضه أشد البغض . المنجد
( 2 ) سورة النساء : آية 110
( 3 ) وفي الدعاء أو خطر بها مني خطرات يريد بها ما يقع في الخاطر ، والخاطر : الهاجس والجمع خواطر . م .
( 4 ) كنز العمال : خ 5667 / وخ 5668