تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣

الفصل الأول عظم شآن اليقين ودرجاته

اليقين أن يرى الأشياء كلها من مسبب الأسباب ولا يلتفت إلى الوسايط بل يرى الوسايط كلها مسخرة لا حكم لها ، ثمّ الثقة بضمان اللّه سبحانه للرزق وأن ما قدر له سيساق إليه ثم أن يغلب على قلبه أن من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرّا يره ، ثم المعرفة بأن اللّه تعالى مطلع عليه في كل حال ومشاهد بهواجس ضميره وخفايا خواطره ، فيكون متأدبا في جميع أحواله وأعماله مع اللّه سبحانه ، فيكون مبالغته في عمارة باطنه وتطهيره وتزيينه لعين اللّه الكالئة « 1 » أشد من مبالغته في تزيين ظاهره لساير الناس . وفي مصباح الشريعة قال الصّادق ( ع ) : « اليقين يوصل العبد إلى كل حال سني « 2 » ومقام عجيب ، كذلك أخبر رسول اللّه ( ص ) عن عظم شأن اليقين حين ذكر عنده عن عيسى بن مريم ( ع ) كان يمشي على الماء ، فقال لو زاد يقينه لمشى في الهواء . فدل بهذا أن الأنبياء مع جلالة محلهم من اللّه كانت تتفاضل على حقيقة اليقين لا غير ولا نهاية لزيادة اليقين على الأبد والمؤمنون أيضا متفاوتون في قوة اليقين وضعفه فمن قوى منهم يقينه فعلامته التبري من الحول والقوة إلّا باللّه والاستقامة على أمر اللّه وعبادته ظاهرا وباطنا قد استوت عنده حالة العدم والوجود والزيادة والنقصان والمدح والذم والعزّ والذل ، لأنه يرى كلها من عين واحدة ، ومن ضعف يقينه تعلّق بالأسباب ورخص لنفسه بذلك واتبع العادات وأقاويل الناس بغير حقيقة والسّعي في أمور الدنيا وجمعها وإمساكها مقرا باللسان أنه لا مانع ولا معطي إلا اللّه وأنّ العبد لا يصيب إلا ما رزق وقسم له ، والجهد لا يزيد في الرزق وينكر ذلك بفعله وقلبه . قال اللّه تعالى :
يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ
« 3 » وإنما عطف اللّه لعباده حيث أذن لهم في الكسب والحركات في باب العيش ما لم يتعدوا حدوده ولا يتركوا من فرايضه وسنن نبيّه في جميع حركاتهم ، ولا يعدلوا عن محجة التوكل ، ولا يقفوا في ميدان الحرص وأما إذا أبوا ذلك وارتبطوا بخلاف ما حد لهم كانوا من الهالكين الذين ليس معهم
هامش
( 1 ) في الدعاء اللهم اجعلني في كلائتك اي في حفظك وحمايتك . ( 2 ) السنى : الرفيع م . ( 3 ) سورة آل عمران : آية 167 .
الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 193 | الفيض الكاشاني / محسن عقيلى