ثم يحاسب نفسه دائما في أفعاله وأقواله ويجعلها منهما في كل ما يأمر به وإن كان أمرها بالعبادة أيضا لأن النفس مجبولة بمحبة شهواتها ولذاتها فلا ينبغي أن يؤمن من مداخلها فإنها من المظاهر الشيطانية فإذا خلص منها وصفا وقته وطاب عيشه بالالتذاذ بما يجده في طريق المحبوب يتنور باطنه فيظهر له لوامع الغيب وينفتح له باب الملكوت ويلوح منه لوائح مرة بعد أخرى .
فيشاهد أمورا غيبية في صور مثالية فإذا ذاق شيئا منها يرغب « 179 » في العزلة والخلوة والذكر والمواظبة على الطهارة التامة والوضوء والعبادة والمراقبة والمحاسبة ويعرض عن المشاغل الحسية ويفرغ القلب عن محبتها ويتوجه باطنه إلى الله الحق بالكلية فيظهر له الوجد والسكينة والشوق والمحبة والهيمان والعشق فيمحو تارة بعد أخرى فيجعله فانيا عن نفسه فيشاهد المعنى القلبية والحقائق السرية والأنوار الروحية فيحقق في المشاهدة والمعاينة والمكاشفة ويفيض عليه العلوم اللدنية والأسرار الإلهية ويظهر له أنوار حقيقية تارة تختفي أخرى حتى يتمكن ويخلص من التلوين وينزل عليه السكينة الروحية .
ويصير ورود هذه الأحوال له مقاما أي ملكة راسخة « 180 » فيدخل في عوالم الجبروت ويشاهد العقول المجردة الأضواء القيومية والأنوار القاهرة والمدبرات الكلية للأمور الإلهية من الملائكة المقربين والمهيمين في جمال الأزل الفانين في الحق الأول ويتحقق بأنوارهم فيظهر له أنوار سلطان الأحدية وسواطع العظمة والكبرياء الإلهية فيجعله هباء منثورا . « 181 » ويندك عنده جبال إنيته « 182 » فيخر له خرورا ويتلاشى وتزول رحمة وجوده من البين ويضمحل عينه في عين الوجود الإلهي وهو مقام الجمع والتوحيد وفي هذا المقام يستهلك في نظره الاعتبار
هامش
( 179 ) م : نزعت .
( 180 ) م : رايحة .
( 181 ) سورة الفران 25 : آية 23 :وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً.
( 182 ) م : آنيته