ولو لم يكن الآيات والأخبار محمولة على ظواهرها ومفهوماتها الأولى من دون تجسم وتشبيه فلا فائدة في نزولها وورودها على عموم الخلق وكافة الناس بل لكان نزولها على ذلك التقدير في باب فهوم متشابهات والحديث على ثلاث طبقات الطبقة الأولى الراسخون في العلم وهم الذين حملوها على مفهومها الأول من دون مفسدة يلزم عليهم من تجويز النقص عليه تعالى والطبقة الثانية وهم الظاهريون من أهل العلم والتدقيق المؤولون تلك الآيات والأحاديث على وجه يطابق قوانينهم النظرية ومقدماتهم البحثية حيث لا يتعدون إلى غير طور العقل الفكري والعلم النظري والطبقة الثالثة وهم الحنابلة والمجسمة من أهل اللغة والحديث الذين لم يبعد طورهم عن عالم الأجسام فيوقفوا فيها ولم يرتق نظرهم عن هذه الهاوية المظلمة فتشابه عليهم الواجب والممكن والقديم والحديث فذهبوا إلى أن آلهتهم جسم أو جسماني تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا « 43 » وكلا الفريقين إلى المجسمة والمؤولة ينظرون في المظاهر بالعين العوراء لكن المجسمة باليسرى والمؤولة باليمنى وكلاهما أعور وجاهل أما الكل الراسخ في العلم والشهود فيعلم أن كل ممكن زوج تركيبي ذو وجهين فبالعين اليمنى ينظر إلى الحق ويعلم أنه الفائض على كل شيء والظاهر في كل شيء فيعود إليه كل خير وكمال وفضيلة وبالعين اليسرى ينظر إلى الخلق ويعلم أن ليس لها حول وقوة إلا بالله العلي العظيم ولا شأن لها إلا قابلية الشؤون والتجليات وهي في ذواتها أعدام فينتهي إليها كل نقص وآفة وفتور قائلا في خلو ذات الممكن عن كون الوجود وشقا منها وإشراق نور الحق عليها ونفوذ الوجود في ذاتها
رق الزجاج ورقت الخمر * وتشابها وتشاكل الأمر
هامش
( 43 ) سروة الاسراء آية 45 :سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً.