بإتيان أحكام الشّريعة لا غير أيّدكم اللّه سبحانه ونصركم اعلم أنّ شكر المنعم واجب على المنعم عليه عقلا وشرعا ومن المعلوم أنّ وجوب الشّكر على قدر وصول النّعمة ، فكلّما كان وصول النّعمة أكثر كان وجوب الشّكر أزيد وأوفر ، فكان الشّكر على الأغنياء على تفاوت درجاتهم بأضعاف ما يجب على الفقراء ، ولهذا ورد في الخبر " إنّ فقراء هذه الأمّة يدخلون الجنّة قبل الأغنياء بخمسمائة عام " « 1 » والشّكر للّه المنعم تعالى وتقدّس إنّما يكون بتصحيح العقائد أوّلا على مقتضى آراء الفرقة النّاجية أهل السّنّة والجماعة ، وإتيان الأحكام الشّرعيّة العمليّة ثانيا على وفق بيان مجتهدي هذه الفرقة العليّة ، والتّصفية والتّزكية ثالثا على طبق سلوك الصّوفيّة العليّة من هذه الفرقة النّاجية السّنيّة ، ووجوب هذه الرّكن الأخير استحسانيّ بخلاف الرّكنين السّابقين . فإنّ أصل الإسلام مربوط بذينك الرّكنين وإنّما المنوط بالرّكن الأخير هو كمال الإسلام لا أصله ، والعمل المخالف لهذه الأركان الثّلاثة ولو كان من جنس الرّياضات الشّاقّة والمجاهدة الشّديدة فهو داخل في المعصية والبغي والطّغيان على المنعم جلّ سلطانه . ولم يقصّر براهمة الهند وفلاسفة اليونان في الرّياضات والمجاهدات شيئا ولم يفوّتوا فيها دقيقة ، ولكن لمّا لم تكن تلك الرّياضات والمجاهدات على وفق شرائع الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام كانوا مردودين وصاروا من النّصيب الأخرويّ محرومين ، فعليكم بمتابعة سيّدنا ومولانا وشفيع ذنوبنا وطبيب قلوبنا محمّد رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلّم ومتابعة خلفائه الرّاشدين المهديّين رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين .
( 72 ) المكتوب الثّاني والسّبعون إلى الخواجة جهان في بيان أنّ جمع الدّين مع الدّنيا متعسّر وما يناسب ذلك
سلّمكم اللّه سبحانه وعافاكم ( ع ) ما أحسن الدّين والدّنيا لو اجتمعا * والجمع بين الدّين والدّنيا من قبيل الجمع بين الأضداد ، فلا بدّ إذا لطالب الآخرة من ترك الدّنيا . وحيث كان تركها حقيقة متعسّرا في هذه الأوان ينبغي أن يلتزم تركها حكما بالضّرورة . والتّرك الحكميّ عبارة عن أن يكون محكوما بمقتضى حكم الشّريعة الغرّاء في الأمور الدّينيّة ، وأن يراعي حدود الشّرع في المطاعم والمشارب والمساكن غير مجوّز لمجاوزتها ، وأن يؤدّي الزّكاة المفروضة في الأموال النّامية والأنعام السّائمة . فإذا
هامش
( 1 ) روى مسلم عن عبد اللّه ابن عمرو ( وأن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة بأربعين خريفا ) وروى ابن ماجة عن أبي سعيد بلفظ ( أن الفقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة سنة ) وما ذكره الإمام فهو في رواية الترمذي عن أبي هريرة ( يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام مقدار نصف يوم ) سند . ( القزانى رحمة اللّه عليه )