تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة ) — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
النّدامة السّرمديّة . قال سيّد الكائنات حبيب ربّ العالمين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " ما « 1 » الدّنيا والآخرة إلّا ضرّتان إن رضيت إحداهما سخطت الأخرى فمن أرضى الدّنيا فقط أسخط الآخرة على نفسه " فلا جرم لا يكون له نصيب من الآخرة أعاذنا اللّه سبحانه وإيّاكم من محبّتها ومحبّة أهلها . ( أيّها الولد ) هل تدري ما الدّنيا ، كلّ ما يعوّقك ويحجبك عن الحقّ سبحانه وتعالى من النّساء والأولاد والأموال والجاه والرّياسة واللّهو واللّعب والاشتغال بما لا يعني فهو داخل في الدّنيا ، والعلوم الّتي لا دخل لها في أمور الآخرة فهي أيضا من الدّنيا ، فلو نفع تحصيل علم النّجوم والمنطق والهندسة والحساب وأمثالها من العلوم الّتي لا طائل فيها لكانت الفلاسفة من أهل النّجاة قال النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام " علامة إعراضه تعالى عن العبد اشتغاله بما لا يعنيه " « 2 » ، ( شعر ) :
من كان في قلبه مقدار خردلة * * * * سوى هوى الحقّ فاعلم أنّه مرض
وما قالوا من أنّ معرفة علم النّجوم لازمة لمعرفة أوقات الصّلاة ليس معناه أنّ معرفة أوقات الصّلاة لا تمكن إلّا بمعرفة علم النّجوم ، بل بمعنى أنّ علم النّجوم أحد طرق معرفة الأوقات وكثير من النّاس لا خبر لهم من علم النّجوم ومع ذلك يعرفون أوقات الصّلاة أزيد من علماء علم النّجوم ، وقريب من ذلك الوجوه الّتي ذكروها في تحصيل المنطق والحساب وأمثالهما من العلوم الّتي لها دخل في الجملة في بعض العلوم الشّرعيّة . وبالجملة لا يظهر وجه جواز الاشتغال بهذه العلوم إلّا بعد تمحّلات كثيرة ، وذلك أيضا بشرط أن لا يكون المقصود منها غير معرفة الأحكام الشّرعيّة وتقوية الأدلّة الكلاميّة ، وإلّا فلا يجوز الاشتغال بها أصلا . ينبغي الإنصاف أنّ الأمر المباح إذا كان الاشتغال به مستلزما لفوات أمر واجب هل يخرج من الإباحة أو لا ، ولا شكّ أنّ الاشتغال بهذه العلوم مستلزم لفوات الاشتغال بالعلوم الشّرعيّة الضّروريّة . ( أيّها الولد ) إنّ الحقّ سبحانه قد رزقك من كمال عنايته الّتي لا غاية لها التّوفيق للتّوبة في عنفوان الشّباب ووفّقك للإنابة على يد واحد من دراويش السّلسلة النّقشبنديّة العليّة قدّس اللّه أسرار أهلها ولا أدري هل لك على تلك التّوبة ثبات أو أغوتك عنها النّفس بأنواع المزخرفات ، وأرى الإستقامة عليها مشكلة ، فإنّ الموسم عنفوان الشّباب ومتاع الدّنيا متيسّر الأسباب وأكثر القرناء غير مناسب في هذا الباب .
هامش
( 1 ) روى احمد والحاكم وصححه والطبراني وابن حبان من أحب دنياه أضر بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما بقي على ما يفنى وقد مر التفصيل في ص 56 . ( القزانى رحمة اللّه عليه ) ( 2 ) قال ابن حجر في شرح الأربعين من علامات أعراض اللّه تعالى عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه أنه من قول الحسن وروى الترمذي عن أبي هريرة مرفوعا من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ورواه ابن ماجة وحسنه النووي بل وصححه ابن عبد البر قال المخرج ذكر على المتق في جوامع الكلم مرفوعا بلفظ الشيخ ا ه . ( القزانى رحمة اللّه عليه )