تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحكم الغوثية — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
هامش
وكان الشيخ عدي بن مسافر الأموي رضي الله عنه يقول : طريق الشيخ عبد القادر الذبول تحت مجاري الأقدار بموافقة القلب والروح ، واتحاد الظاهر والباطن ، والسلامة من صفات النفس مع الغيبة عن رؤية النفع والضر في القرب والبعد . وكان الشيخ بقاء بن بطؤ رضي الله عنه يقول : كان طريق الشيخ عبد القادر اتحاد القول والفعل ، واتحاد النفس والوقت ، ومعانقة الإخلاص والتسليم ، وموافقة الكتاب والسّنة في كل نفس وخطرة ووارد وحال والثبوت مع اللّه عزّ وجل . وعنه رضي الله عنه أيضا كانت قوة الشيخ عبد القادر في طريقة إلى ربّه كقوى جميع أهل الطريق شدة ولزوما ، وكانت طريقته التوحيد وصفا وحكما وحالا ، وحقيقته الشرع ظاهرا وباطنا ، ووصفه قلب فارغ ، وكون غائب ، ومشاهدة رب حاضر بسريرة صافية لا تتجاذبها السلوك ، وسر لا تنازعه الأغيار ، وقلب لا يفارقه البقايا . وكان الشيخ أبو الفتح الهروي رضي الله عنه يقول : خدمت الشيخ عبد القادر أربعين سنة ، وكان في مدتها يصلّي الصبح بوضوء العشاء ، وكان كلما أحدث جدّد في وقته وضوء ثم صلّى ركعتين ، وكان يصلّي العشاء ويدخل خلوته ، ولا يمكّن أحدا يدخلها معه ، فلا يخرج منها إلا عند طلوع الفجر ، وقد أتاه الخليفة يريد الاجتماع به ليلا فلم يتيسّر له الاجتماع به إلى الفجر ، وقال : بتّ عنده فرأيته يصلّي أوّل الليل يسيرا ، ثم يذكر اللّه تعالى إلى أن يمضي الثلث الأول ، ويقول : المحيط الرّب الشهيد المجيب الفعّال الخلّاق الخالق البارئ المصوّر ، فتطاول جثته مرّة ، وتعظم مرة ، ويرتفع في الهواء إلى أن يغيب عن بصري مرة ، ثم يصلّي قائما على قدميه يتلو القرآن حتى يذهب الثلث الثاني ، وكان يطيل سجوده جدّا ، ثم يجلس متوجها مراقبا مشاهدا إلى قريب طلوع الفجر ، ثم يأخذ في الدعاء والابتهال والتضرّع والتذلّل ، ويغشاه نور يكاد يخطف الأبصار إلى أن يغيب عن الأبصار . قال : وكنت أسمع عنده : سلام عليكم ، وهو يرد السلام إلى أن يخرج لصلاة الفجر . وكان رضي الله عنه يقول : أقمت في صحراء العراق وخرابه خمسا وعشرين سنة متجرّدا سانحا ، لا أعرف الخلق ولا يعرفوني ، وكانت طوائف من رجال الغيب أعملمهم الطريق إلى اللّه تعالى ، ووافقني الخضر عليه السلام في أوّل أمري ودخولي العراق وما كنت عرفته ، وشرط عليّ ألا أخالفه وقال : اقعد ها هنا ، فجلست في المكان الذي أقعدني فيه ثلاث سنين يأتيني كل سنة مرّة ، ويقول لي : اقعد مكانك حتى آتيك ، قال : ومكثت سنة في خراب المدائن آخذ نفسي بطريق المجاهدات ، فآكل المنبوذ ولا أشرب الماء ، ومكثت فيها سنة أشرب الماء ولا آكل المنبوذ ، ومكثت سنة لا آكل ولا أشرب ولا أنام . واجتمع عنده مرة الفقراء والفقهاء في مدرسته النظامية فتكلّم في القضاء والقدر ، فبينما هو