وأسرار المعارف من العلم المكنون ، وأرادا أن يطلعان على ما عنده .
فذهبا إليه إلى المسجد الذي يجلس فيه مع خواص أصحابه ، فدخلا عليه فوجداه يفيض في أمور ، ويستخرج الدرر من قيعان البحور ، فعلما فضله ، وأنهما لم يدركا رتبته فسلّما وجلسا .
فلما تمّ ودعا ؛ قاما وسلّما عليه ، فقال لهما بديهة : أما هذا ؛ فالفقيه أبو محمد عبد الحق الإشبيلي .
وأما هذا ؛ فأبو علي المسيلي ، فقالا : نعم ، فقالا له : بلغنا عنك أنك لم تجاوز سورة تبارك الذي بيده الملك .
فقال لهما : هي كانت سورتي ، ولو تعديتها لاحترقت ، ثم التفت إليهما .
وقال لهم بلغة صوفية قيل لي : بي قل ، وعلي دل ، وأنا الكل .
فانفصل مجلسهما وقد عرفا فضله ، وقد علما أن للّه مواهب لا تسعها المكاسب ، وأن الفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء ، وأتاه حينئذ الشيخ عبد الحق بنيّة خالصة ، فلما دخل عليه كاشفه ، وقال له : أمرك النبي صلى اللّه عليه وسلم أن تقرأ علي القرآن ، فسمّى فقرأ الفاتحة حتى ختمها .
قال له الشيخ أبو مدين : اقرأها على الوجوه السبع ، ثم قال له : فسّرها لي ففسرها بأتم الوجوه إلى أن بلغ :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
[ الفاتحة : 5 ] .
ثم قال له الشيخ : لو كنت تستعين باللّه لما استعنت بالسلطان والوزير ، فتكلّم أبو محمد كالمستعذر .
فقال له الشيخ : إن كنت متعلّما ، فاسمع واشتغل بما يعنيك ، والزم بيتك ، فإن اللّه يكفيك وعن سائر الخلق يغنيك . فقال : صدقت ، ففعل .
فروي أن الأمير والوزير وردا على بلده فلم يخرج إليهما على ما كان من عادته ، فسألا عنه ، فتكلم من له غرض ، قال : إن عبد الحق تكبّر عليك .
فقال الأمير : العلم يؤتى إليه ولا يأتي ! فزاره في داره .