فعلى الذين كالبهائم تقوم الساعة فافهم ، فجاءتهم بغتة الكشف فجاءتهم حيرة وبهتة ، وأذهلهم ذلك الوارد « 1 » عن أنفسهم ، ثم أبقى اللّه هذا الحال ، والوارد مشهودا لهم في دار الدنيا ، وجعل لها حكم دار الدنيا كحكم دار الآخرة ، كما للعموم في دار الآخرة ، فماتوا وانتقلوا من حال إلى حال حياة الدنيا إلى حياة الآخرة ، وتبدّل عليهم الأحكام بتبدّل الدار ، والسماوات مطويات بيد الملك القهّار ، والحق يقول في آخر الأمر عند ظهور غلبة الأحدية على الكثرة في القيامتين الكبرى والصغرى ، الحاصلة للسالكين عند التحقّق بالوصول عقيبة انتهاء السير وحال الانسلاخ .
قال تعالى :
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
[ غافر : 16 ] ،
تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
[ القصص : 8 ] ، فهم بقيامهم عن أنفسهم لا يعرفون للعلو طعما .
قال رضي اللّه عنه : لمّا بدّلت الصفة من دار الدنيا فصارت بهذا التبديل آخرة مع بقاء العين ، ومن لا علم له بهذا في ظلمة الحيرة . انتهى كلامه رضي اللّه عنه .
أما ترى إشارة الحديث الشريف : «
قد مات كسرى فلا كسرى بعده . .
الحديث « 2 » » رواه أبو هريرة رضي اللّه عنه ، ذكره في جمع الجوامع .
فما زال الملك ولا المليك ؛ ولكن ارتفع الاسم باسم آخر مع وجود الملك والمليك ، فافهم .
قال تعالى :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها * إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها
[ النازعات : 42 : 44 ] .
هامش
( 1 ) الوارد : ما يرد على القلب الظاهر من أحداث الكون من الخواطر المحمودة من غير تعمّل واجتلاب .
وقيل أيضا : الوارد هو عبارة عن كل ما ورد من حيطة كل اسم إلهيّ بسكر ، كان بصحو ، أو ببسط ، أو بقبض ، أو بهيبة ، أو بأنس ، أو بنحو ذلك . وانظر : ترشيح الزلال واللطائف للشيخ القاشاني .
( 2 ) رواه البخاري ( 3 / 1135 ) ، ومسلم ( 4 / 2236 ) ، والترمذي ( 4 / 497 ) .