العمل للجذبة ، والجذبة ليست له ، وهي بهتة الكشف ، وفجأته الشهود ، فإذا جاءت الساعة بغتة ؛ أفنى وجود السالك عن نظر شهوده في المشهود فجأة ، فيرى جبال وجوده تمرّ مرّ السحاب التي كان يحسبها جامدة ، فإذا فني ومات موتة معروفة عند أهلها ، فقامت قيامته التي أخبر عنه الرسول صلى اللّه عليه وسلم بقوله :
« من مات قامت قيامته « 1 » »
. فانكشف الغطاء وانحدّ البصر ، ورأى المؤثّر في الأثر ، وأدرك بعيون البشر ، وربح من أمن ، وخسر من كفر .
قال الشيخ الأكبر رضي اللّه عنه : ومن كان من أهل الرؤية التي تقع لكل واصل .
أما ترى إشارة قوله صلى اللّه عليه وسلم :
« إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا « 2 » »
. رواه أبو إمامة رضي اللّه عنه في جمع الجوامع .
وذكر فيه أيضا حديثا آخر وهو هذا :
« قال : يا موسى لن تراني ؛ إنه لن يراني حيّ إلا مات ، ولا يابس إلا تذهب ، ولا رطب إلا تفرق ، إنما يراني أهل الجنة الذين لا تموت أعينهم ولا تبلى أجسادهم « 3 » »
. رواه الحكيم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في جمع الجوامع .
وقد وقعت له صلى اللّه عليه وسلم :
« رأى ربه بعين رأسه « 4 » »
. رواه ابن عباس رضي اللّه عنهما .
وشهد له الحق بذلك ؛ حيث قال تعالى :
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى
[ النجم :
11 ] ، وقال :
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى
[ النجم : 13 ] .
فإن كان مراد الرسول صلى اللّه عليه وسلم مقولة : ( حتى تموتوا ) هو : الموت الطبيعيّ الاضطراري ؛ فلم يصح ، ( لن ترون ) بالتأكيد وبتأييد التأكيد ، وهو صلى اللّه عليه وسلم صادق في قوله : ( رأى ) قبل الموت الطبيعي الاضطراري في دار الدنيا عند الموت الاختياري الكمالي ، بل ثبت
هامش
( 1 ) رواه الديلمي في الفردوس ( 1 / 285 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 6 / 268 ) .
( 2 ) رواه النسائي ( 4 / 419 ) ، وأحمد ( 5 / 324 ) ، وابن ماجة ( 2 / 1360 ) .
( 3 ) رواه الحكيم الترمذي في النوادر ( 2 / 45 ) ، والديلمي في الفردوس ( 2 / 267 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 10 / 235 ) .
( 4 ) ذكره ابن حجر في فتح الباري ( 13 / 483 ) بنحوه .