الآخر من حيث الوجود ، فاختلط الأمر وأنبهم على أهل الأفكار والعقول المعقولة ، فقصروا عن هذا الإدراك ، وهم لا يشعرون أن فضورهم من نسبة تجلي الذات لها باسم من أسمائها التي ظهر الكون بهم ، وهو الاسم المانع ، فبطن هذا العلم عنهم ، فكان لهم غيبا .
فلهذا قال رضي اللّه عنه : قمنا : أي من الكمل من جهل في علمه : أي علمه بأنه عينه ، فقال : والعجز عن درك الإدراك بإدراك الحق الحيرة بالإدراك والعلم ؛ لأنه علم أنه لم يعلم ، فلمّا علم من علوم مقام الحيرة لأهل التجلي ، فأعطاه مقام العلم .
ورد في الخبر الصحيح :
« رب زدني فيك تحيرا »
« 1 » ، ولولا التحير علم لما سأل صلى اللّه عليه وسلم الزيادة فيه ؛ لأنه أمر يقل رب زدني علما ، هذا إذا كان الإدراك بمجرد الاستدلال أو بالتعريف الإلهي ، وأما إذا كان يتجلى إلهي ، إمّا من قرب النوافل أو قرب الفرائض فلم يعجز عن الإدراك .
قال رضي اللّه عنه في الباب الخامس والثلاثين وثلاثمائة : فالقول بالعجز وإن كان هذا القدر هو المسمى بمعرفة اللّه ، ولكن لوجودي بقوله صاحب هذا القول ، فإنه لا يرى اللّه أبدا ، كما لا يعلمه أصلا ، إلا أنه يبدي له من اللّه ما لم يكن يحتسب ويعلم ما لم يعلم ، ويرى ما لا يراه كما ورد في الأثر :
« إنه يرى ما لا رأت عين »
« 2 » فإنّه يرى ويعلم أنّه هو ، فإن الصحيح : إنّه تعالى يعلم ويرى ولو بعد حين ، ويتصف العبد بالعجز عن العلم به إلا من أخذ العلم بالدليل لا به .
فلهذا قال رضي اللّه عنه : ( ومنا من علم وذلك ) من مقام المشاهدة التي هي الصمت والخرس والسكوت ، ( فلم يقل مثل هذا ) : أي بالعجز .
ورد في الأثر الصحيح أنه قال صلى اللّه عليه وسلم : «
إن اللّه ليلوم على العجز . .
الحديث » « 3 »
هامش
( 1 ) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ( 7 / 201 ) بنحوه ولم أقف عليه بلفظه .
( 2 ) تقدم تخريجه .
( 3 ) رواه الطبراني في الكبير ( 8 / 95 ) ، وفي مسند الشاميين ( 1 / 237 ) .