وأما بالنسبة إلى المطلق التام ، أين الغاية والأمور كلها بدايات لا نهاية لها ، وصاحب هذا التجلي كشارب ماء البحر ، يقول : هل من مزيد ؟ .
قال أبو يزيد قدّس سرّه في هذا المشرب « 1 » :
شربت الحب كأسا بعد كأس * فما نفد الشّراب ولا رويت
فإن قيل ورد في الخبر عن الكوثر :
« إنّه من شربه لا يظمأ أبدا »
« 2 » فقال :
بالرائي ، قلنا ذلك بالنسبة إلى نتائج الأعمال وقد وقفت إلى السدرة المنتهى ، فرأى الرائي من هذا الوجه أما ترى صاحب أوسع الكشوفات أمر بأن يقول : رب زدني علما ، فإن كل علم يعطي استعداد وعلم آخر ، وهلم جرّا .
فإذا أردت أن تميز بين المراتب ، فاعلم أن الرؤية قد يكون الحق فيها بمنزلة المرآة للعبد وهو ناظر فيها ، فلينظر ما يرى فيها من الصور ، فإن رأى فيها صورة باطنة مشكلة بشكل جسدي مع تعقله ، أنّ ثمة أمرا ما هو عينه فتلك صورة حق وأنّ العبد في ذلك الوقت قد تحقق ، بأنّ الحق قواه ليس هو ، وإن كان الحق هو المتجلي فيها الناظر إليها ، فلينظر العبد من كونه مرآة ما تجلّى فيه .
فإن تجلّى فيه ما يقيده بشكله ، فالحكم للمرآة لا للحق ، فإنّ الرائي قد يتقيّد بحقيقة شكل المرآة من طول وعرض واستدارة وانحناء وكبر وصغر ، فترد الرائي إليها ولها الحكم فيه ، فيعلم أنّه الحق الذي هو بكل شيء محيط ، فافهم ، ذلك ذكره رضي اللّه عنه في بيان اسم السلام من حضرة السلامة .
( ولا تطمع ) من حيث تقيّدك بالصفات البشرية وتلبسك بالكمالات الجزئية ، أكثر مما ذكرناه ، فافهم .
( ولا تتعب نفسك في إن كثر في أعلى من هذا الدرج ) ؛ لأنّه فوق استعدادك المقيد المقيد ، فما هو ثمة أصلا : أي ليس الحق هناك ؛ بل أنّه معك حيث أنت ، وأنت
هامش
( 1 ) انظر : روضة الحبور لابن الأطعاني ( ص 65 ) بتحقيقنا .
( 2 ) رواه الطبراني في الأوسط ( 9 / 27 ) بنحوه .