بنفسه المشار إليه بقوله :
اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ
[ آل عمران : 97 ] .
فقوله تعالى :
عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ
[ الحشر : 22 ] أراد الغيب بالنسبة إلينا وإلا لا غيب له ، والذي هو غيب بالنسبة إلينا بحلم الشهادة له تعالى ، أو نقول : إنه عالم الغيب أو عالم بأنه غيب لا يصح أن يعلم أصلا .
قال رضي اللّه عنه : وهذا الذي نبّهناك عليه من العلم باللّه ما أظهرناه اختبارا ؛ ولكن حكم الخبر علينا ، فتحفّظ ولا تغفل عنه فإنه يعلّمك الأدب مع اللّه ، انتهى كلامه رضي اللّه عنه .
هذا هو الغيب الحقيقي وبقية الغيوب كلها إضافي ، فافهم .
فإن الإنسان إذا أراد إدراك الغيب والشهادة الإضافيين اللذين نحن بصدد بيانهما ، وأراد أن يتميّز في علميهما ، فينبغي ألا يقيّد نفسه إلا باللّه وحده ؛ وهو التقييد الذاتي الذي لا يصح له الإنفكاك عنه جملة واحدة ؛ وهي عبوديّة صرفة محضة لا تقبل الحريّة أبدا .
فإذا قيّده باللّه الذي
خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ
[ عبس : 19 ، 20 ] فلا يقف إلا في البرزخ وهو المقام المتوهّم بين عالم الشهادة والغيب مطّلعا على الطرفين ؛ كأصحاب الأعراف فلا يخرج منها شيء إلا وهو مطّلع عليه ، فإذا وقف في هذا المقام وهو محل العثور على الطرفين ، استشرف على الغيبين ؛ الغيب الذي يوجد منه ، واستشرف على عالم الشهادة ؛ لأنه إذا وقف في المقام المتوهّم على أنه معتنى به ؛ حيث شغله اللّه تعالى بمطالعة الانفعالات عنه تعالى ، وإيجاد الأعيان من قدرته تعالى ، واتّصافها بالوجود في حضرة إمكانها ، وما أخرجها منها ، ولا حال بينها وبين موطنها ، ولكنه كساها خلقة الوجود وحلّة الظهور ، فاتّصفت بهما بعد أن كانت موصوفة بالعدم مع ثبوت العين في الحالتين ، وبقي الكلام في ذلك الوجود الذي كساه الحقّ فيك الآمر ؛ وهو كالصورة التي في المرآة ما هي عين الرائي ولا غير عينه ، ولكنه المحلّ المرئي مع الرائي ، والمواجهة أعطت هذا الحكم الذي تراه ، فعلمت المرآة والرائي والصورة الحادثة بينهما ، فأدركت بالغيب الباطن وبالشهادة الظاهر ، وحصل المقصود .