وهنا مبحث آخر ؛ وهو من لطائف العلم باللّه ، فأذكره لك :
لا يفوتك علما فإنه ورد في الخبر :
« إن أفضل الهديّة وأكمل العطيّة الكلمة من كلام الحكمة يسمعها العبد ثم يعلمها أخاه خير له من عبادة سنة على نيّتها »
« 1 » رواه تمام ، وابن عساكر رضي اللّه عنه ، ذكره في جمع الجوامع .
فاعلم أيّدك اللّه وإيّانا بروح منه أن العالم ينقسم إلى : ظاهر وإلى باطن .
ف ( الظاهر ) هو عالم الشهادة ، و ( الباطن ) هو عالم الغيب ، وقد سمّى اللّه تعالى الباطن بالأمر والظاهر بالخلق ، وقال :
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
[ الأعراف : 54 ] .
وقال تعالى :
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[ الإسراء : 85 ] .
ف ( عالم الأمر ) هو عالم الغيب الذي هو الأسماء الذاتيّة ، ويليها أمهات أسماء الألوهيّة وتوابعها ، وكل واحد منها حجاب عن الآخر ، وصف نفسه تعالى باعتبار هاتين العالمين : أي الظاهر والباطن ، أو الغيب والشهادة بأن له الحجب النوريّة التي هي الأرواح ، والظلمانيّة التي هي الأجسام ، فكل واحد منهما حجاب عن الآخر ، فإذا اعتبرتهما خلقا وأمرا ، ولطيفا وكثيفا ؛ إنما اعتبرتهما من حيث الأسماء ، وهي سلسلة الترتيب والوسائط المتكثّرة .
فبهذا الوجه يكثر الوجود ؛ وهو ظاهر الخلافة التي منه تكثر ، وأمّا إذا اعتبرتهما ؛ أي العالمين الخلق الأمر ، وإن شئت قلت : عالم الغيب والشهادة حقّا ؛ أعني من الوجه الخاص زالت الكثرة وارتفعت الوسائط ، وذلك باعتبار أن ( الاسم ) عين المسمّى ، و ( الذات ) هي السارية في الكل ؛ كتعيّن الأسماء من حيث عدم التّغاير ، فاتّحدّ الكل من حيث أن الساري في الكل هو الذات ، فهذا باطن الخلافة ، والتجلّي منه تجلّ أقدس .
وعلى هذا صحّ أن القرآن غير مخلوق من حيث ارتفاع الوسائط ، ومن حيث
هامش
( 1 ) رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق ( 17 / 63 ) .