فإنّ العبد يصل إذا تحقق بالحق إلى أن ينسب الأضداد من عين واحدة ونسبة واحدة كالحق تعالى ولا يختلف النسب ، وهذا المدرك عزيز المنال ، صعب الارتقاء ، يتعذّر تصوّره على من لا أنس له بالعلوم الإلهيّة التي يعطيها الكشف والتجلّي ، ولا يخفي أنّ هذا ذوق غير الذوق الذي نحن في معرض بيانه .
فإنّ الأوليّة في عين الآخريّة اللتين نحن بصدد بيانهما ليس من عين واحدة ونسبة واحدة ، حتى يكون من محالات العقل ؛ بل إنما ذكرها رضي اللّه عنه لتأنيس العاقل وصاحب النظر والفكر ، فإنّه ما يخالف ذوقهم وأصلهم .
ثمّ لتعلم بعد ما علمت فيما تقدّم أنّ الأوصاف مشتركة ، أراد رضي اللّه عنه أن ينبّه بكيفيّة الاستدلال ، فإنّه تعالى أرانا آيات أسمائه وصفاته في العالم وفينا ، وجعل فينا ما نعرفه به ؛ لنستدل بناءا عليه ، ويتمكّن السالك من الوصول إليه فلو لم يصف نفسه بنعوتنا ما عرفناه ، فهو المعروف في الحالين والموصوف بالنعتين ، وبهذا من كل شيء زوجين ؛ ليكون لأحد الزوجين العلو والتأثير وهو الذكر ، وللآخر السفالة والانفعال والتأثير وهو الأنثي ؛ ليظهر ما بينهما إذا اجتمعا وجود أعيان ذلك النوع على صورتهما .
( إنّ الحق وصف نفسه بأنّه ظاهر وباطن فأوجد العالم عالم غيب وشهادة ) .
قال اللّه تعالى :
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ
[ الحشر : 22 ] .
وقال تعالى :
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[ الحديد : 3 ] فعلم المحقّقون من خاصته ، والمعتني بهم من أهل قربه وكرامته بما كشف لهم ، وأطلعهم عليه من أسرار وجوده أولا ، وبما أخبر ثانيا : إنّ المراتب وإن كثرت فإنّها ترجع إلى هاتين المرتبتين ؛ وهما الغيب والشهادة والحقيقة جامعة بينهما ، فكل شيء له ظاهر ، فهو صورته وشهادته وباطن ، وهو روحه وغيبه .
فنسبته جميع الصور على اختلاف أنواعها الخفيّة والجليّة إلى الاسم الظاهر المنعوت بالشهادة ، ونسبة جميع المعاني والحقائق المجرّدة ؛ التي هي أصول لما ظهر من