( وإنما كان آخر الرجوع الأمر كله إليه ) قال تعالى :
أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ
[ الشورى : 53 ]
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
[ البقرة : 245 ] عمّ هذا النص الشريف ما حمد ، وما ذمّ وما ثمّة إلا محمود ، قال تعالى :
لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ
[ الروم : 4 ] وهكذا الأمر ، فافهم .
( بعد نسبة ذلك ) : أي الأمر كالصفات على ما قررناه أنّها تؤخذ بعد نسبة تلك الصفات ( إلينا ) ، وبهذا يتحقق معنى الرجوع ؛ لأن الوجود وتوابعه له تعالى بالأصالة .
( فهو الآخر في عين أوليته والأول في عين آخريته ) : أي إذا كان الأول والآخر لهذين الاعتبارين المذكورين صحّ عند العقل أن يقول : إنه الأول في عين آخريّته ، والآخر في عين أوليّته ، ولا جمع للأضداد التي لم تجتمع فإنّ له شروطا حتى يحكم العقل عليه بعدم الاجتماع منها : وحدة العين ووحدة النسبة والاعتبار من جميع الوجوه ، وفي مسألتنا هذه أنّه أوّل بمعنى : إنّه مبدأ كل شيء وآخر كلّ شيء بمعنى رجوع كلّ شيء إليه ، فجمع الأوليّة في عين الآخريّة بالاعتبارين ولا ضد فافهم ، فإذا عرفت هذا اعلم أنّه .
قال الشارح الجامي قدّس سرّه في بيان هذا المتن : جمع بإطلاق هويته بين الأضداد ، وهو ظاهر بها أزل الآزال وأبد الآباد ، انتهى كلامه .
كأنّه أعطي هذا القول حكم النص حيث قال : هو الأول والآخر والظاهر الباطن أنّه الأول في عين الأول ، في عين الآخريّة ، في عين الأوليّة ، من جميع الأضداد التي يرميها العقل ، ويراها صاحب الكشف بالشهود .
ومن هذا المذاق ما نقل عن الخراز قدّس سرّه : عرفت اللّه بجمع الأضداد ؛ لأنّه لو كانت معقوليّة الأوليّة والآخريّة إلى الحق تعالى كمعقوليّة نسبتهما إلينا ، لما كان ذلك مدحا في الجناب الإلهي ولا استعظمه العارف باللّه وبحقائق الأسماء حتى قال : عرفت اللّه به ثم تلا :
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[ الحديد : 3 ] .