المعنى فهو افتتاح الوجود عن العدم مع كونه الأول ولكن بمعنى آخر ، وهو كونه مبدأ لما سواه ، كما أنّ آخريّته عبارة عن كونه يرجع إليه عواقب الأمور .
قال تعالى :
إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى
[ العلق : 8 ] .
وقال :
وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى
[ النجم : 42 ] .
اعلم أنّ معقوليّة الأوليّة للواجب المطلق نسبة وصفيّة لا يعقل لها العقل سوى استناد الممكن إليه ، فيكون أولا بهذا الاعتبار ، ولو قدّر عدم وجود الممكن قوة وفعلا لانتفت هذه النسبة الأوليّة ؛ إذ لا تجد متعلقا .
وأمّا معقوليّة الأوليّة للواجب الوجود بالغير نسبة سلبيّة عن وجود كون الوجوب المطلق ، فهو أوّل بكل مقيّد ؛ إذ يستحيل أن يكون هناك قدم لأحد فافهم .
( ولهذا ) : أي لأن أوليته ليست أوليّة افتتاح الوجود من العدم .
( قيل فيه : الآخر فلو كانت أوليته أوليّة وجود التقييد لم يصح أن يكون الآخر للمقيّد لا أنّه لا آخر للممكن ؛ لأنّ الممكنات غير متناهيّة ) لعدم تناهي الحقائق ، وعدم تناهيها ؛ لعدم تناهي أعيانها الثابتة ، وهي المعلومات الإلهيّة ، والتناهي في المعلومات محال .
قال رضي اللّه عنه في الباب الثالث والثمانين وثلاثمائة من « الفتوحات » : إنّي علمت أنّ في العالم من يقول بانتهاء علم اللّه تعالى في خلقه ، وإنّ الممكنات متناهية وأنّ الأمر لا بد أن يلحق بالعدم والدّثور ، ويبقى الحق حقّا لنفسه ولا عالم .
ورأيت بهذا قائلا بمكة المشرّفة معتقدا له من أهل السوس من بلاد المغرب ، حجّ معنا وخدمنا ، وكان يصر على هذا المذهب حتى صرّح عندنا ولا قدرت على ردّه ولا أدري بعد فراقه هل رجع أو مات عليه ؟ وكان لديه علوم جمة وفضل إلا أنه لم يكن له دين ، وإنما كان يقيّمه صورة عصمة لدمه وليس في الجهل أعظم من هذا الجهل ، عصمنا اللّه وإيّاكم منه .
( فلا آخر لها ) : أي دنيا وأخرى ، إنما قلنا ذلك حتى لا يلزم الفساد المتوهم علينا فافهم .