( فإن قلت ) : فهل الحور العين على صورة نساء الدنيا أم لا تشبهها إلا في الاسم فقط كما قاله ابن عباس بالنظر إلى فواكه الجنة ؟ وما كيفية جماع الحور العين ؟
( فالجواب ) : صورة خلق جميع الحور العين على صورة خلق الإنس مع أنهن لسن بأناسى وأما صورة نكاحهن فكما ينكح الرجل منا المرأة الآدمية الإنسانية كذلك ينكح الحور في الزمن الفرد وهذا النكاح خاص بالسعداء من بني آدم فليس للأشقياء نصيب من النكاح في النار . قال الشيخ محيي الدين في الباب التاسع والستين وثلاثمائة بعد كلام طويل : فعلم أن الرجل منا لو أراد أن ينكح جميع ما عنده من النساء والحور العين لنكحهن في لمحة واحدة من غير تقدم ولا تأخر لخرق العوائد هناك وذلك مثل فاكهة الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة فهي تقطف دائما من غير فقدان مع وجود أكل وطيب طعم فإذا أفضى الرجل إلى الحوراء أو الإنسية كان له في كل دفعة شهوة ولذة لا يقدر قدرها لو وجدها أهل الدنيا لغشي عليهم من شدة حلاوتها فيكون من الشخص في كل دفعة ريح مثيرة تخرج من ذكره فيتلقاها رحم المرأة فيتكون من حينه فيها ولد في كل دفعة وتكمل نشأته ما بين الدفعتين فيخرج مولودا مصورا مع النفس الخارج من المرأة روحا مجردا طبيعيا فهذا هو صورة التوالد الروحاني في البشر مع الجنس المختلف والمتماثل ولا يزال الأمر كذلك دائما أبدا .
( فإن قلت ) : فهل يشاهد الأبوان ما تولد عنهما من ذلك النكاح أم لا ؟
( فالجواب ) : نعم يشاهدان ما تولد منهما من ذلك النكاح ثم تخفى تلك الأولاد عنهما فلا يعودون ، كالملائكة التي تدخل البيت المعمور كل يوم لا يعودون إليه أبدا .
شرح
بذلك حد ما كان عليهم في دار الدنيا مما يسمى بكرة وعشيا وكان لهم في هذا الزمان في الدنيا حالة تسمى الغذاء والعشاء فيتذكرونها هنالك فيأتيهم اللّه تعالى برزق خاص في ذلك الوقت الخاص فلذلك قال تعالى :وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا[ مريم : 62 ] إذ لا شمس هناك ولا قمر . قال : ومعنى قوله تعالى : في الجنةأُكُلُها[ الرعد : 35 ] دائم أن الأكل لا ينقطع عنهم متى اشتهوه ، ولا أنهم يأكلون دائما فالدوام في الأكل هو عين التنعيم بما يكون به الغذاء للجسم ، فإذا أكل الإنسان حتى شبع فليس ذلك بغذاء ولا بأكل على الحقيقة وإنما هو كالجابي الجامع للمال في خزانته ، والمعدة جامعة لما جمعه هذا الآكل من الأطعمة والأشربة فإذا اختزن ذلك في معدته ورفع يده فحينئذ تتولاها الطبيعة بالتدبير وينتقل ذلك الطعام من حال إلى حال ، ويغذيه بها في كل نفس فهو لا يزال في غذاء دائم ولولا ذلك لبطلت الحكمة في ترتيب نشأة كل متغذ ، ثم إن الخزانة إذا خلت من الأكل حرك الطبع الجابي إلى تحصيل ما يملؤها به وهكذا على الدوام . قال : فهذا معنى قوله :أُكُلُها دائِمٌ[ الرعد : 35 ] وأطال الشيخ في ذلك في الباب الثامن والتسعين وثلاثمائة فراجعه . قال : واعلم أن الحركة التي كانت تسير بالشمس ويظهر من أجلها طلوعها وغروبها موجودة في الفلك الأطلس الذي هو سقف الجنة ، وجميع