في أوقات كما تقدم في الكلام عليها ، قال وهذا يدلك على أن النار محسوسة بلا شك ويؤيد ذلك قوله تعالى
كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً
[ الإسراء : 97 ] إذ النار لا تتصف بهذا الوصف إلا من حيث قيامها بالأقسام لا من حيث ذاتها ولا تقبل الزيادة ولا النقص وإنما الجسم المحرق بالنار هو الذي يسجر بالنارية وأطال في ذلك .
( فإن قلت ) : إن اللّه تعالى قد وصف الجنة بقوله تعالى
وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا
[ مريم : 62 ] مع أنه ليس في الجنة شمس ولا قمر فكيف يعرف أهل الجنة البكرة والعشي ؟
( فالجواب ) : كما قاله الشيخ في الباب الثامن والتسعين وثلاثمائة : إن لأهل الجنة مقادير يعرفون بها انتهاء مدة الشمس في الدنيا في طلوعها وغروبها فيعلمون بتلك المقادير حد ما كان في الدنيا بكرة وعشيا وعند ذلك يتذكرون أنه كان لهم في الدنيا حالة تسمى الغداء والعشاء فيأتيهم اللّه عند ذلك التذكر برزق بكرة وعشيا فهو رزق خاص في وقت خاص معلوم عندهم وما عدا ذلك فأكلها دائم لا ينقطع إذ الدوام في الأكل هو عين النعيم الذي يكون به غذاء الجسم ولكن لا يشعر بذلك كثير من الناس ، وإيضاح ذلك أن الإنسان إذا أكل الطعام حتى شبع فليس لك بغذاء ولا هو بأكل على الحقيقة وإنما هو كالجابي الجامع للمال في خزانته والمعدة خزانة لما جمعه هذا الأكل من الأطعمة والأشربة فإذا جعل فيها أي في المعدة ورفع يده فحينئذ تتولاها الطبيعة بالتدبير وينتقل ذلك الطعام من حال إلى حال وتغذيه بها في كل نفس يخرج عنه دائما فهو لا يزال في هذا دائما لولا ذلك لبطلت الحكمة في ترتيب نشأة كل
شرح
قال : ونعيم أهل الجنة مطلق والراحة فيها مطلقة إلا راحة النوم فليس عندهم من نعيم راحته شيء لأنهم ينامون ولا يعرف شيء إلا بذوق ضده . وقال : وأما أهل النار فينامون في أوقات ببركة محمد صلى اللّه عليه وسلم وذلك هو القدر الذي ينالهم من النعيم ونسأل اللّه العافية آمين . قال الشيخ محيي الدين : وهذا يدلك على أن النار محسوسة بلا شك كما أشار إليه قوله تعالى :كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً[ الإسراء : 97 ] فإن النار ما تتصف بهذا الوصف إلا من كون قيامها بالأجسام لأن حقيقة النار لا تقبل هذا الوصف من حيث ذاتها ولا تقبل الزيادة ، وإنما الجسم المحرق بالنار هو الذي يسجر بالنار ، ذكره في آخر الباب الخامس والستين من « الفتوحات » .
قال : واعلم أن عدد الجنات من حيث المراتب ثلاثة . جنة اختصاص وجنة ميراث وجنة أعمال ولكل واحدة منها أهل كما ذكره الشيخ في الباب السابع والسبعين ومائتين من « الفتوحات » .
فأهل جنة الاختصاص الأنبياء والأطفال والمجانين أهل التوحيد العلمي ومن لم تبلغه دعوة نبي ، وسميت بجنة الاختصاص لأنها لم تكن عن عمل سابق ، وأهل جنة الميراث هم كل من دخل الجنة ممن ذكرنا ومن المؤمنين وهي الأماكن التي كانت معينة لأهل النار لو دخلوها كما ورد أنه يقال للمؤمن : « هذا مكانك من النار قد أبدلك اللّه به مكانا من الجنة » وسبب وقوع هذا القول للمؤمن أن الوجود كله يطلب الإنسان وليس بعض الوجود في حقه أولى من بعض فإذا