( فالجواب ) : إنما لم يصفها الحق تعالى بالمجيء من ذاتها مع علمها بما هي عليه من أسباب الانتقام من العباد لما جبلها اللّه تعالى عليه من العلم برحمة اللّه التي وسعت كل شيء فمنعتها الرحمة الكامنة فيها من المبادرة للإتيان فإنها ما وقعت عينها إلا على مسبح للّه تعالى بحمده مطيع لإرادته فلذلك جيء بها ليعلم الذي لا يدخلها ما أنعم اللّه تعالى عليه مما لم يكن يعلمه وليعلمه أيضا من يدخلها بأنه بالاستحقاق يدخلها فتجذبه بالخاصة إليها جذب المغناطيس للحديد وهو قوله عليه الصلاة والسلام « أنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها تقحم الفراش » انتهى .
( فإن قلت ) : فهل لأهل النار حظ من النعيم في وقت من الأوقات ؟
( فالجواب ) : كما قاله الشيخ في الباب العشرين من « الفتوحات » نعم لأهل النار حظ من النعيم ، ولكن صورة نعيمهم عدم توهمهم وقوع العذاب بهم كما أن حظهم من شدة العذاب توقعه لأنه لا أمان لهم . بطريق الأخبار عن اللّه تعالى فلا يفتر عنهم العذاب فلم يزالوا في غشية من العذاب بعد غشية وإفاقة بعد إفاقة ففي حال الغشية يعذبون بالعذاب المتخيل وفي حال الإفاقة يعذبون بالعذاب المحسوس وقد يطول زمن الغشية نحو عشرة آلاف سنة وقد يطول زمن الإفاقة فيعذبون خمسة عشر ألف سنة وهكذا أبد الآبدين ودهر الداهرين . فعلم أن أشد العذاب على أهل النار ما يقع في نفوسهم من التوهمات فإنهم لا يتوهمون قط عذابا أشد مما هم فيه ألا تكون في نفوسهم لوقته .
( فإن قلت ) : فهل عند أهل النار الذين هم أهلها نوم ؟
شرح
وإن كان ذلك بدعة حسنة فإن من سن فقد كلف الأمة ما يشق عليها ولو كان ذلك محمودا لكان صلى اللّه عليه وسلم أولى به فاجعل بالك لما ذكرته لك فعلم أن كل من لم يكلف الأمة بأكثر مما ورد فهو حكيم الزمان فإنه لا أعلى مما وضعه الكامل المكمل . وقال : قم في الأسباب من غير اعتماد عليها فإن اللّه ما نهاك عن القيام في الأسباب وإنما نهاك عن الركون إليها والاعتماد عليها كما أشار إليه قوله تعالى :وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ( 106 ) [ يوسف : 106 ] يعني هذا الشرك الخفي الذي هو الاعتماد على الأسباب فإن رأيت نفسك يا أخي تسكن إلى الاعتماد على الأسباب فاتّهم إيمانك وإن رأيت نفسك يتساوى عندها فقد السبب المعين وحالة وجود السبب ، فاعلم أنك مؤمن حقا وهناك يرزقك اللّه من حيث لا تحتسب فمن ادّعى كمال التوكل ورزق من حيث يحتسب فما هو ذلك الرجل . قال : ومن الرزق الذي لا يحتسبه العبد أن يأكل مما في خزائنه وتحت تصريفه وهو غير معتمد عليه ولأنه ليس في حسابه أن اللّه يرزقه ولا بد من الذي هو حاصل عنده فما رزق هذا إلا من حيث لا يحتسب ، وقال : وهذا أمر دقيق لا يشعر به إلا أهل اللّه عز وجل فاعلم ذلك .
( وقال ) : احذر أن تريد في الأرض علوا أو فسادا أو الزم الذل والانكسار والخمول ، فإن