يحيون ولا ينعمون إنما يورثهم الأكل منه سقما ومرضا بخلاف مأدبة أهل الجنة فإنها زيادة كبد الحوت وهو حيوان بحري مائي من عنصر الحياة المناسبة للجنة والكبد بيت الدم وهو بيت الحياة والحياة حارة رطبة وبخار ذلك الدم هو النفس المعبر عنه بالروح الحيواني الذي به حياة البدن فهو بشارة لأهل الجنة ببقاء الحياة عليهم في النعيم المقيم ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء انتهى .
( فإن قلت ) : فما سبب إماتة اللّه تعالى لعصاة الموحدين في جهنم دون الكفار ؟
( فالجواب ) : سببه إكرام اللّه تعالى للجوارح التي كانت تسبح بحمده وتطيعه وإنما وقعت في المخالفات من حيث إنها كالمجبورة تحت قهر النفس المدبرة للسوء فلوقوعها في المعاصي عذبت ولتوحيدها للّه تعالى أخرجت لأن النار بذاتها لا تقبل خلود موحد فيها أبدا ثم إن جوارح العصاة إذا ماتت فلا تحس بعد ذلك بألم حتى تخرج بالشفاعة فضلا من اللّه تعالى عليها بخلاف الكفار لا تموت لهم جوارح أبدا ليذوقوا العذاب وذلك لأن معصيتهم بالكفر مستصحبة لا تفارقهم ولو أنهم كانوا بقوا أبد الآبدين لكانوا كفارا فلذلك خلدوا في النار من حيث نيتهم . وأما عصاة الموحدين فلهم زاجر من أنفسهم إذا عصوا ويعقبهم الندم . وإيضاح ذلك كما قاله الشيخ في الباب الموفي ثلاثمائة من « الفتوحات » : إن جسد الإنسان كله من حيث طبيعته طائع للّه خائف من عذابه وما من جارحة يرسلها العبد في معصية إلا وهي تناديه لا تفعل ولا ترسلني فيما حرمه اللّه عليك فإني شاهدة عليك وتتبرأ إلى اللّه تعالى من ذلك الفعل وكل قوة وجارحة في العبد بهذه المثابة تنادي أخواتها لا تفعلوا معصية انتهى .
شرح
محصور في قيد الأين محبوس في ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل اللّه له نورا من عنده فما له من نور من ذاته . وقال : إذا عوين الحق تعالى فلا يعاين إلا من حيث العلم والمعتقد واللّه أجل وأعز من أن يشهد على وجه الإحاطة ، وقال : احذر أن تدعي الوصلة وجمع الشمل فإني أخاف عليك أن يكون جمعك بك لا به فتكون في عين الفصل والفراق فلا تغالط نفسك . قال : وعلامة صحّة الوصلة بمشاهدة الحق أنك إذا عكست مرآة قلبك إلى الكون عرفت جميع ما في ضمائر الخلق ويصدقك الناس على ذلك الكشف .
وقال : من كان يأخذ معرفته للحق من الحروف فهو جاهل به فإن الحروف التي أخذ عنها معرفته تحجبه ، قال : وهذا من الذين يعبدون اللّه على حرف وليس له رائحة من نفحات الجود بل أخذه من الحرف فهو من الكون إلى الكون يتردد بداية ونهاية . وإن لهذا أجر الاجتهاد والدرس ، فالأجر كون أيضا فما خرج هذا من رق الكون ووثاق الحرف . وقال : من كان من أهل الكمال فهو محجوب عن غيب الأكوان حتى أنه لا يعرف ما في جيبه ولا يفرق بين المحسوسات مع كونها بين يديه جهلا بها لا غفلة عنها ولا نسيانا وذلك لما حققه الحق به من حقائق الوصال . قال سيد هذا المقام « أنتم أعرف بمصالح دنياكم » وقال : إياكم أن تعترضوا