الأول المتكبرون عن أمر اللّه كفرعون والنمروذ وأبي لهب وأضرابهم ، الثاني المشركون وهم الذين يجعلون مع اللّه إلها آخر ، الثالث المعطلون وهم الذين نفوا الآلهة جملة فلم يثبتوا للعالم إلها ولا من العالم ، الرابع المنافقون وهم الذين أظهروا الإسلام من أهل هذه الأقسام الثلاثة للقهر الذي حكم عليهم فخافوا على دمائهم وأموالهم وذراريهم وهم في أنفسهم على ما هم عليه من اعتقاد ما عليه هذه الطوائف الثلاث ، فهؤلاء الأربعة هم الذين لا يخرجون من النار من جن وإنس انتهى .
( قلت ) : فكذب واللّه وافترى من نسب إلى الشيخ محيي الدين أنه يقول بقبول إيمان فرعون ولو أنه كان يقول به ما صرح هنا بأنه من أهل النار الذين لا يخرجون منها أبد الآبدين فإمّا أنه مدسوس عليه كما مرت الإشارة إلى ذلك في الخطبة ، وإما أنه كان تبع فيه القاضي أبا بكر الباقلاني فإنه قائل بقبول إيمان فرعون لأن اللّه تعالى حكى عنه أنه قال لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين ولم يحك عنه ما يناقضه بعد ذلك ، وقد انعقد إجماع الأئمة كلهم على عدم قبول إيمانه فإياك أن تنقل عن الشيخ محيي الدين أنه يقول بقبول إيمان فرعون وتخرق الإجماع لا سيما « الفتوحات » من أواخر مؤلفاته لأنه فرغ منها قبل موته بنحو خمس سنين واللّه تعالى أعلم .
( فإن قلت ) : فهل في النار دركات اختصاص نظير ما في الجنة من درجات الاختصاص التي ليست هي في مقابلة عمل ؟
( فالجواب ) : كما قاله الشيخ في الباب الثاني والستين من « الفتوحات » ليس في النار
شرح
العقل يحفظ الشريعة والشريعة تحفظ الحقيقة ومن ادعى شرعا بغير عقل لم تصح دعواه كما أن من ادعى حقيقة بغير شرع لا يقبل وقال : جمال صورتك في الآخرة يكون على قدر خواطرك المحمودة في الشريعة هنا وقبح صورتك في الآخرة يكون على قدر قبح خواطرك المذمومة فاجهد في نفسك قبل أن لا ينفعك الندم . وقال : مرتبتك عند اللّه في التعظيم على قدر تعظيمه في قلبك وحيائك منه فإن اعتنيت به اعتنى بك وإن استحييت منه استحيا منك وإن لم تبال به لم يبال بك فميزانك بيدك ، فإن شئت أرجح وإن شئت أخسر لا تلم إلا نفسك . وقال : العلم يقتضي العمل فمن قال : إن العلم يوجد بغير عمل فدعواه باطلة ومنزع ذلك دقيق جدا من أجل مخالفة المتعدين حدود اللّه من المؤمنين ، فربما يقال : لو كانوا عالمين ما خالفوا ، وهم عالمون بلا شك بأن اللّه تعالى حد لهم حدودا معينة حرم اللّه عليهم تعديها فعلمهم بذلك عمل بالعلم ضرورة وما هم عالمون بمؤاخذة اللّه تعالى من عصاه على التعيين ، فما عصى إلا من ليس بعالم بالمؤاخذة فعلم أنه ما خالف عالم علمه قط بل هو تحت تسخير علمه فتأمل فإنه دقيق .
وقال : الأمر الإلهي لا يخالف الإرادة الإلهية أبدا لأنها داخلة في حده وحقيقته وإنما جاء الالتباس في تسميتهم صيغة الأمر أمرا وليست بأمر لمن تأمل ، فإن الصيغة مرادة بلا شك وهذه