نزلت أي اطلعت كشفا كما يفسره ما تقدم واللّه أعلم ، فعلم أن جهنم إنما هي دار سكنى لأهلها وسجن لهم واللّه تعالى يخلق فيهم أنواع العذاب متى شاء فعذابهم من اللّه وهم محل له . قال الشيخ محيي الدين : ولجهنم سبعة أبواب مفتحة ليس فيها باب مغلق إلا الباب الثامن الذي هو باب الحجاب عن رؤية اللّه عز وجل فلا يفتح لأهل النار أبدا قال وجميع الكواكب التي في جهنم مظلمة الأجرام عظيمة الخلق وكذلك الشمس والقمر والطلوع والغروب لهما في جهنم دائما فشمس جهنم شارقة لا مشرقة والتكوينات عن سيرها بحسب ما يليق بتلك الدار .
( فإن قلت ) : فما حد جهنم ؟
( فالجواب ) : إن حدها بعد الفراغ من الحساب من مقعر فلك الكواكب الثابتة إلى أسفل سافلين وذلك كله يزيد في جهنم اتساعا عما هي الآن عليه حيث لا مخلوق فيها وكل مكان لم يذكر الشارع أنه يعود إلى الجنة فإنه يعود كله نارا قال تعالى :
وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ
( 6 ) [ التكوير : 6 ] أي أججت نارا من سجرت التنور إذا أوقدته ، قال ومن هنا كره ابن عمر وغيره الوضوء بماء البحر مع قولهم بجواز الطهارة منه وكان بعضهم يقول التيمم أحب إلي من البحر .
قال الشيخ محيي الدين : وأهل الكشف كلهم يرون بحر الملح الآن يتأجج نارا .
( فإن قلت ) : فمن أشد الخلق كلهم عذابا في النار ؟
( فالجواب ) : أشدهم عذابا إبليس لأنه هو الذي سن الشرك وكل معصية .
( فإن قلت ) : إن إبليس مخلوق من النار فكيف جعل اللّه تعالى عذابه بما خلق منه ؟
شرح
تجريح لأن المنزه لا ينزه إلا على سبيل الحكاية ونظير ذلك عدم العدم فإنه وجود فليس في الحق تقص حقيقة ينزه عنه وإيضاح ذلك أن التقديس الذاتي يطلب التبري من تنزيه المتنزهين فإنهم ما نزهوا حتى تخيلوا وتوهموا وما ثم متخيل ولا متوهم يتعلق به أو يجوز أن يتعلق به فينزه عنه بل هو القدوس لذاته وأطال في ذلك . وقال : من قتله أعداء اللّه ما مات بل جمع له بين الحياتين فإن اللّه تعالى اعتنى بيحيى صغيرا وسلط عليه الجبار فقتله كبيرا وما حماه منه ولا يضره ذلك لأن الصغير إنما اعتنى به رحمة به لضعفه فإذا كبر وكل إلى نفسه فإن بقي في كبره بحكم صغره من الضعف صحبته الرحمة وإن ادعى القوة المجعولة ونسي ضعفه الذي كان له في صغره أضاعه اللّه في كبره برد الضعف إليه ، وتأمل الصغير كيف يقبل ويضم إلى الصدر مع استقدار بدنه وثيابه ويشتهي والده حياته والكبير يستقدر ولا يقبل ويتمنى أهله موته . وقال : في قوله تعالى :إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا[ الكهف : 30 ] والتمني من العمل فمن تمنى أنه لو كان له مال تصدّق به أعطاه اللّه ثواب من أنفق ذلك المال من غير كد ولا نصب . وقال :
لولا عرف طيب أنفاس الأحبة ما فاح المسك لمستنشق أما عرف مقدار طيب والأنفاس وما تعطيه من المعارف الإلهية إلا البهائم ألا تراها تشم بعضها بعضا عند اللقاء ولا تمر بشيء إلا وتميل برؤيتها إليه تشمه وقال : إذا رأيتم العارف يثبت عند واردات الحق ولا يصعق ولا يفنى