المجتهدين رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين وموطن يحكم فيه بالمجموع ، هذا وجه جمع الرسول والمؤمنين معه تعالى في الحكم بما يرونه مع أن كل ما يراه عباده تعالى فهو حكمه وتقديره بالأصالة وقد قال بعض المحققين : إذا كان الحق تعالى هو الحاكم الحقيقي في جميع أحكام الدنيا فكيف يصح وصف بعض أحكام القضاة بالبطلان انظر انتهى . قلت إنما يصح لنا وصف بعض الأحكام بالبطلان عملا منا بالشريعة التي تعبدنا اللّه تعالى بالعمل بها في هذه الدار دون الحقيقة فإن الحق تعالى لم يأمرنا بالحكم بها في هذه الدار لخفاء وجه مطابقتها للشريعة لا مخالفتها لها في نفس الأمر كما قاله المحققون واللّه أعلم .
المبحث السبعون : في بيان أن نبينا محمدا صلى اللّه عليه وسلم أول شافع يوم القيامة وأول مشفع وأولاه فلا أحد يتقدم عليه
قال صلى اللّه عليه وسلم أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول شافع وأول مشفع ، زاد في رواية ولا فخر ، قال العلماء : وإنما خص يوم القيامة بالسيادة لأنه يوم ظهورها لكل أحد كقوله تعالى
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ
[ غافر : 16 ] بخلاف شرفه في الدنيا وسيادته فإنها لا تخلو من منازع . قال الشيخ محيي الدين : وإنما أخبرنا صلى اللّه عليه وسلم بأنه أول شافع وأول مشفع شفقة علينا لنستريح من التعب الحاصل بالذهاب إلى نبي بعد نبي في ذلك اليوم العظيم وكل منهم يقول نفسي نفسي فأراد إعلامنا بمقامه يوم القيامة لنصبر في مكاننا مستريحين حتى تأتي نوبته صلى اللّه عليه وسلم ويقول أنا لها أنا لها فكل من لم يبلغه هذا الحديث أو بلغه ونسيه لا بد من تعبه وذهابه إلى نبي بعد نبي بخلاف من
شرح
يستوي البصير والأعمى .
( وقال ) : باب التشريع قد ضاع مفتاحه وقيد سراحه ، فصباحه لا ينبلج وبابه لا ينفرج وإن خوطب به الكامل فهو تعريف بما ثبت وأعلام بما عنه سكت عليك بالصفوف الأول فمنها تشاهد الأزل وإياك أن تتأخر فتؤخر وأنت ذو ورا مما ترى . وقال : إذا خاطبك الحق بلسان لا تعرفه فقفوَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً[ طه : 114 ] ولا تمش فيه بالفكر وعليك بالعمل بالقرآن تطلع على الفرقان والقرآن المطلق يعطي ما لا يعطي القرآن المقيد وقيد اللّه قرآنه بالعظمة والمجد والكرم . وقال : لا تعجب ممن وصف الجواد بالعطاء ولكن أعجب ممن وصفه بالإمساك ، وأعجب منه من وصف الحق بما لا يليق به مع أنه ما أطلق الألسنة عليه بذلك إلا هو . وقال :
إياك وخضراء الدمن وهي الجارية الحسناء في منبت السوء فإن اللّه تعالى يقول :يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً[ الأنعام : 112 ] وهو ما يزينه الشيطان من الأعمال فإن كان لها وجه إلى الحق فالمعدن خبيث جاء إبليس إلى عيسى عليه السلام فقال له : قل لا إله إلا اللّه فهذه كلمة طيبة من معدن خبيث فقال : أقولها لا لقولك فما قال : لا إله إلا اللّه التي أمر بها إبليس