بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ
[ الأعراف : 29 ] اعلم أن الحق تعالى قد بدأنا على غير مثال سبق وكذلك يكون إنشاؤه لنا في الآخرة على غير مثال سبق فمن علم ذلك لم يستبعد وقوع المحالات من حيث العقل وإلا فليس ذلك بمحال من حيث القدرة الإلهية . انتهى فليحرر وسيأتي أيضا عن الغزالي في جواب السؤال الثاني من شبه المنكرين للبعث فراجعه . وقال في الباب الحادي والسبعين وثلاثمائة قوله تعالى
إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ
[ العاديات : 9 ] اعلم أنه إذا بعثر ما في القبور وأخرجت الأرض أثقالها لم يبق في بطنها سوى عينها فأخرج ما كان فيها إخراجا لا نباتا وذلك ليفرق بين نشأة الدنيا الظاهرة وبين نشأة الآخرة فإن الدنيا أنبتنا فيها من الأرض نباتا كما ينبت النبات شيئا بعد شيء على التدريج وقبول الزيادة في الجرم طولا وعرضا وأما نشأة الآخرة فهي إخراج من الأرض على الصورة التي يشاء الحق تعالى أن يخرجنا عليها قال تعالى
وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ
[ الواقعة : 61 ] فإذا أخرجت الأرض أثقالها وحدثت بأنه لم يبق فيها مما اختزنته شيء جيء بالعالم إلى الظلمة التي دون المحشر فألقي الخلائق فيها حتى لا ينظر بعضهم بعضا ولا يبصرون كيفية التبديل في السماء والأرض حين يقع فتمد الأرض أولا مد الأديم وتبسط فلا ترى فيها عوجا ولا أمتا وهي الساهرة إذ لا نوم فيها لكونها بعد الدنيا ولا نوم لأحد بعدها انتهى . وقال في الباب الثالث وثلاثمائة : اعلم أن الناس قد اختلفوا في صفة الإعادة بناء على اختلافهم في الموت ، هل هو طلاق رجعي أو بائن وفرّعوا على ذلك ما إذا ماتت امرأة هل يغسلها زوجها ؟ فقال بعضهم : حكمها بعد موتها كالأجنبية قطعا فليس له أن يكشف عليها وقال قوم حرمة الزوجية باقية أن يغسلها أو حاله معها كحاله حال حياتها فإن كان رجعيا فإن الأرواح ترد إلى أعيان هذه الأجسام من حيث جواهرها في البعث وإن كان بائنا فقد ترد إليها ويختلف التأليف وقد ينشأ لها أجسام أخر لأهل النعيم أصفى وأحسن ولأهل العذاب بالعكس ، قال :
والحق أنها ترد إلى أعيان هذه الأجسام التي كانت مكلفة حتى تنعم أو تعذب وحتى تشهد على صاحبها حين تستشهد انتهى . وقال في الباب الستين ومائتين اعلم أن الجوارح إذا استشهدت يوم القيامة على النفس المدبرة هي والجلود لا تشهد بوقوع معصية ولا طاعة لأنه لا خبر لها بما تنويه النفس في الأعمال ولا تدري هل ذلك العمل مشروع أو غير مشروع وإنما تشهد بما عملته واللّه تعالى يعلم حكمه في ذلك العمل ولهذا قال تعالى
شرح
البلاء من الفتن قوله تعالى :وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ[ محمد : 31 ] وهو العالم بما يكون منهم فافهم . وإذا فهمت فاكتم وإن سئلت فقل : اللّه أعلم العالم في أوقات يتجاهل وعن الجاهل يتغافل واللّه ليس بغافل وهو معكم في جميع المحافل فأين تذهبون إن هو إلا ذكر للعالمين .
( وقال ) : إذا ربط تعالى مشيئته بلو فهو لو شاء اللّه كذا وما يشاء ولو نشاء لصح المشاء ولو حرف امتناع لامتناع فكيف يستطاع ما لا يستطاع إذا تنوع الواحد فليس بواحد ولا بد من أمر زائد وليس العجب عند العليم إلا تنوع إرادة القديم . وقال : دليل العقول قد يخالف ما