وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
( 24 ) [ النور : 24 ] ولم يشهدوا بكون ذلك العمل طاعة أو معصية فإن مرتبة الجوارح لا تقتضي ذلك إنما تقتضي أن الفرج مثلا يقول أنا دخلت في فرج فلانة ويقول الفم أنا شربت خمرا ولا علم لها بكون ذلك حراما أم لا . وستأتي عبارة الشيخ أبي طاهر في بيان شبهة المنكرين للبعث إن شاء اللّه تعالى . وقال الشيخ محيي الدين في علوم الباب التاسع والستين وثلاثمائة : اعلم أن العمل حق للجارحة والنيّة حق للروح ولا خبر للجارحة بما نوته النفس من ذلك فإذا شهدت الجلود من هذه النشأة والأسماع والأبصار والأيدي والأرجل وجميع الجوارح لا تشهد إلا بما جرى منها لا علم لها بكون صاحبها تعدى حدود اللّه أم لا .
قال الشيخ : وليس في العلوم أصعب تصورا من هذه المسألة فإن الأرواح طاهرة بحكم الأصل والأجسام وقواها كذلك طاهرة بما فطرت عليه من تسبيح خالقها وتوحيده ثم باجتماع الجسم والروح حدث اسم الإنسان وتعلق به التكليف وظهرت منه الطاعات والمخالفات فالأرواح لاحظ لها في الشقاء لطهارتها والنفوس الحيوانية تجري بحكم طبعها في الأشياء ليس عليها بمجردها تكليف والجوارح كلها ناطقة مسبحة بحمده فمن المخالف والعاصي المتوجه عليه الذم والعقوبة فإن كان قد حدث بالمجموع للجمعية القائمة بالإنسان أمر آخر كما حدث له اسم الإنسان فما هو ذلك الحادث الذي حدث وما هو حقيقته انتهى . وقد أجاب بعضهم بأن اللّه تعالى ما كلف إلا البالغ العاقل ولا يكون مكلفا إلا من جمع بين الروح والجسم ومتى فارقت الروح الجسم أو عكسه انتفى التكليف فانتفى المدح والذم والعقوبة فليتأمل . وأما بيان تهيئة الأجساد لقبول الأرواح فقال الإمام أبو طاهر في كتابه « سراج العقول » : اعلم أن المنكرين للمعاد ورد الأرواح إلى الأجساد زعموا أن تعلق الأرواح اللطيفة بالتراب الجلسي الغليظ الجافي مستبعد مستحيل للتنافر بينهما طبعا وإن قدر ذلك فلا يتصور إلا بعد أن ينقلب التراب نطفه ثم علقة ثم مضغة ثم ينتهي إلى التسوية وهيهات وقالوا لنا : إنكم تدعون أن الرفات والتراب يحيا بالروح وذلك رجع بعيد فنقول لهم اعتبروا بالنشأة الأولى فإن القدرة الأزلية لم تقصر عما كانت عليه في الخلق الأول من التراب إذ قال له كن فكان ثم إن هؤلاء إنما يقيسون الأحياء في الآخرة على ما عهدوه في الدنيا من إجراء اللّه العادة في خلق الجنين ولو لم
شرح
صح عندها من المعقول إياك واتباع المتشابه أيها الواله فما يتبعه إلا الزائغ وما يترك تأويله إلا العاقل البالغ فإن جاءه من ربه في ذلك الشفا فهو المعبر عنه المصطفى . وقال : لو راقب الناس مولاهم في دنياهم لأمنوه في أخراهم ، ومن ارتفع في هذه الدار سقط وهنا وقع الغلط . وقال :
ذبح النفوس أعظم في الألم من الذبح المحسوس ، ومخالفة الآراء أعظم في الشدة من مقابلة الأعداء ومجانبة الأعراض غاية الأمراض ومن فاز بمخالفة نفسه سكن حضرة قدسه . وقال :
السيد خادم فهو في طاعة عبده قائم السيد أحق باسم الخادم من الغير لأن بيده جميع الخير يحكم في عبده لعبده فهو يحكم عبده لو حكم لنفسه لبقي في قدسه لا تكن من الملوك لأن الملك مملوك من صحت سيادته صح تعبه وكبر واللّه نصبه هم لازم وغم دائم فإنه لو ترك