المسألة يتوهمون أن الكون دليل على اللّه لكونهم ينظرون في نفوسهم فيستدلون وما علموا أن كونهم ينظرون راجع إلى حكم كونهم متصفين بالوجود فالوجود هو الناظر حقيقة وهو نور الحق تعالى لا نورهم ، فإن ذات أحدهم لو لم تتصف بالوجود فبماذا كان ينظر ومن هنا صح قول من قال عرفت اللّه باللّه وهو مذهب الجماعة ا ه .
وقال الشيخ أيضا في « شرحه لترجمان الأشواق » : جميع الأدلة التي نصبها الحق تعالى أدلة قد محاها بقوله ليس كمثله شيء فأوقف العالم كله في مقام الجهل والعجز والحيرة ليعرف العارفون أنه ما طلب منهم من العلم وما لم يطلب منهم فيتأدبون ولا يجاوزون مقاديرهم انتهى . وقال في باب الأسرار من « الفتوحات » ( مه ) إن العالم علامة بدوه ممن فهو علامة على من فما ثمّ إلا اللّه وفعله وما لا يسع جهله انتهى كلام الشيخ رحمه اللّه . وقد بان لك أنه رضي اللّه تعالى عنه بريء من القول بأن الحق تعالى يوصف بكونه مفتقرا إلى العالم وأنه تعالى هو الغني على الإطلاق وأن العالم لا ينفك طرفة عين عن الافتقار إلى اللّه تعالى وأنه تعالى ما أظهر العالم من مكنون علمه إلا ليسبغ عليه نعمه حال وجوده إلى عالم الشهادة لا غير وهو معنى قول بعضهم إن اللّه تعالى أوجدنا لنا لا حاجة منه إلينا لنقول بالتكليف إذ الحق لا يكلف نفسه انتهى واللّه أعلم . ( خاتمة ) إن قيل هل يصح لأحد الغنى باللّه عن الكون ( فالجواب ) كما قاله الشيخ في الباب الخامس والعشرين ومائة أنه لا يصح لأحد الغنى باللّه حقيقة إنما حقيقة الاستغناء ترجع إلى الأسباب وجلت ذات الحق تعالى أن تكون محلا لمثل ذلك وإيضاح ذلك أن اللّه تعالى ما وضع الأسباب إلا ليزيل بها فاقة المخلوقين فما استغنى أحد إلا بالكون ولا يصح الغنى عن الكون بحكم العموم وإنما يصح الاستغناء عن مخلوق ما بغيره فقول بعضهم فلان مستغن باللّه جهل وإنما لتحقيق أن العبد مستغن بما من اللّه لا باللّه فإذا جاع أمر بالأكل فزال جوعه عند الأكل لا بالأكل فافهم واللّه تعالى أعلم .
المبحث السادس : في وجوب اعتقاد أنه تعالى لم يحدث له بابتداعه العالم في ذاته حادث وأنه لا حلول ولا اتحاد
إذ القول بذلك يؤدي إلى أنه في أجواف السباع والحشرات والوحوش وتعالى اللّه عن
شرح
والحكمة في ذلك أن الصلاة تقتضي الشفعية لقوله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي وأطال في ذلك قال رضي اللّه عنه : واعلم أننا لم نقف على رواية عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في تشهده الذي كان يقوله في الصلاة هل كان يقول مثلنا : السلام عليك أيها النبي أو كان يقول : السلام علي أو كان لا يقول شيئا من ذلك ، ويكتفي بقوله : السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين .
قال : فإن كان يقول مثل ما أمرنا أن نقول من ذلك فله وجهان أحدهما أن يكون المسلم عليه هو الحق وهو مترجم عنه كما جاء في سمع اللّه لمن حمده . والوجه الثاني : أنه كان يقام في صلاته في مقام الملائكة مثلا ، ثم يخاطب نفسه من حيث المقام الذي أقيم فيه أيضا من كونه