قال الشيخ محيي الدين : وكنت قديما أقول ما رأيت أقصر حجة من إبليس ولا أجهل منه فلما وقفت له على هذه المسألة التي حكاها عنه سهل رضي اللّه تعالى عنه تعجبت وعلمت أن إبليس قد علم علما لا جهل فيه فله رتبة الإفادة لسهل في هذه المسألة انتهى . فقد بان لك أن اللّه تعالى خلق العالم كله من غير حاجة إليه ولا موجب أوجب ذلك عليه ( وأما ) وجه كونه تعالى غنيا عن العالمين فقد قال الشيخ رحمه اللّه في الباب الثاني والسبعين : إن اللّه تعالى لم يوجد العالم لافتقاره إليه وإنما الأشياء في حال عدمها الإمكاني لما طلبت وجودها ممن هي مفتقرة إليه بالذات وهو اللّه تعالى لا تعرف غيره فلما طلبت بفقرها الذاتي من اللّه تعالى أن يوجدها قبل الحق تعالى سؤالها لا من حاجة قامت به إليها لأنها كانت مشهودة له تعالى في حال عدمها النسبي كما هي مشهودة له في حال وجودها سواء فهو يدركها سبحانه على ما هي عليه في حقائقها حال وجودها وعدمها بإدراك واحد فلهذا لم يكن إيجاده للأشياء عن فقر بخلاف العبد فإن الحق تعالى ولو أعطاه حرف كن وأراد إيجاد شيء لا يوجده إلا عن فقر إليه وحاجة فما طلب العبد إلا ما ليس عنده ليكون عنده فقد افترق إيجاد العبد عن إيجاد الحق تعالى . قال الشيخ وهذه مسألة لو ذهبت عينك جزاء لتحصيلها لكان قليلا في حقها فإنها مزلة قدم زل فيها كثير من أهل اللّه تعالى والتحقوا فيها بمن ذمهم اللّه تعالى في قوله :
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ
[ آل عمران : 181 ] انتهى . ( فإن قلت ) قد نقل بعضهم عن الشيخ أنه كان ينشد :
الكل مفتقر ما الكل مستغني * هذا هو الحق قد قلنا ولا نكني
( فالجواب ) أن مثل ذلك مدسوس عليه في كتاب « الفصوص » وغيره فإن هذا نصه يكذب الناقل عنه خلاف ذلك . وقال أيضا في الباب الحادي والستين وثلاثمائة في قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ
[ العنكبوت : 6 ] أي غني عن وجود العالم لكن لما أظهر اللّه الأسباب ورتب ظهور بعضها على ظهور بعض زل نظر بعضهم فقال إن اللّه تعالى غني عن وجود العالم لا عن ثبوته ففهم بعض المقلدين من هذه العبارة رائحة الافتقار من حيث ترتيب الظهور مع غفلته عن كون ذلك فعل مختار في الأصل غني عن العالمين فزلت بهذا قدم الغرور في مهواة من التلف فإنه لا يلزم من كون العالم ثابتا في العلم الإلهي الافتقار إلى وجوده فإن من كان غنيا عنه وعن
شرح
أجزائه وعوالمه حين رأى بيت قلبه خاليا من كل ما سوى اللّه فسلم على نفسه كما أمر أن يسلم إذا دخل بيتا ما فيه أحد نيابة عن الحق الذي يشهده في قلبه كما قال : إن اللّه قال على لسان عبده سمع اللّه لمن حمده قال : وإنما قال وعلى عباد اللّه الصالحين بالواو دون ذكر لفظ السلام تنبيها على أن المراد بالصالحين المستعملين في أمور مطلق الإسلام من المسلمين لا الصالحين في العرف قال : وإنما لم يعطف المصلي السلام الذي سلم به على نفسه بالواو على السلام الذي سلم به على نبيه لأنه لو عطفه عليه لسلم على نفسه من جهة النبوة وهو باب قد سده اللّه كما سد باب الرسالة عن كل مخلوق بمحمد صلى اللّه عليه وسلم إلى يوم القيامة وتعين بهذا أنه لا مناسبة بيننا